قال البيضاوي: " أي في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس" (١).
قال ابن عطية: " وقالت فرقة: إنما قال {مَعَ}، لأن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله {مَعَ}، بشهود الجماعة" (٢).
قال الواحدي: " عبّر بالركوع عن جميع الصلاة، إذ كان ركناً من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد في قوله {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: ١٠] " (٣).
وذكر أهل العلم في أصل (الركوع) قولين (٤):
أحدهما: أنه مأخوذ من المذلَّة والخضوع، وهو قول الأصمعي والمفضل، قال الأضبطُ بنُ قريع السَّعْدِيُّ (٥):
لا تُذِلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ ... كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
و(الرُّكوع): هو الخضوع لله بالطاعة، يقال منه: ركع فلانٌ لكذا وكذا، إذا خضع له (٦)، ومنه قول الشاعر (٧):
بِيعَتْ بِكَسْرٍ لَئِيمٍ وَاسْتَغَاثَ بِهَا ... مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَا بَعْدَ مَا رَكَعَا
قوله: (بعد ما ركعا) أي: بعد مَا خضَع من شِدَّة الجهْد والحاجة.
الثاني: أنه مأخوذ من التطامن والانحناء، وهو قول الخليل، وابن زيدٍ.
فقال أهل اللغة: "وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى من الكبر: قد ركع، قال لبيد (٨):
أُخَبِّرُ أَخْبَارَ القُرُونِ التِي مَضَتْ ... أَدِبُّ كَأَني كُلَّما قُمْتُ رَاكِعُ
فالراكع: المنحني في قول لبيد، وقال آخر (٩):
(١) تفسير البيضاوي: ١/ ٧٧.
(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.
(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٧، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ٦٨، انظر: "تفسير أبي الليث" ١/ ١١٥، و"ابن عطية" ١/ ٢٧٤، و"البغوي" ١/ ٨٨، "زاد المسير" ١/ ٧٥، و"القرطبي" ١/ ٢٩٣.
(٤) انظر: التكت والعيون: ١/ ١١٤، وتفسير الطبري: ١/ ٥٧٤.
(٥) البيت من شواهد البيضاوي في تفسيره: ١/ ٧٧، والماوردي: ١/ ١١٤.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٥٧٤.
(٧) هذا البيت من أبيات لعصام بن عبيد الزماني (من بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل) رواها أبو تمام في الوحشيات رقم ١٣٠، ورواها الجاحظ في الحيوان ٤: ٢٨١، وجاء فيه: " قال الزيادي " وهو تحريف وتصحيف كما ترى. وهذه الأبيات من مناقضة كانت بين الزماني ويحيى بن أبي حفصة. وذلك أن يحيى تزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري فهاجاه عصام الزماني وقال:
أَرَى حَجْرًا تغيَّر واقشعرَّا ... وبُدِّل بعد حُلْو العيش مُرًّا
فأجابه يحيى بأبيات منها:
ألا مَنْ مُبلغٌ عنِّى عِصَامًا ... بأَنِّي سَوْفَ أَنْقُضُ مَا أَمرَّا
هكذا روى المرزباني في معجم الشعراء: ٢٧٠، وروى أبو الفرج في أغانيه ١٠: ٧٥ أن يحيى خطب إلى مقاتل بن طلبة المنقري ابنته وأختيه، فأنعم له بذلك. فبعث يحيى إلى بنيه سليمان وعمر وجميل، فأتوه فزوجهن بنيه الثلاثة، ودخلوا بهن ثم حملوهن إلى حجر، (وهو مكان).
وأبيات عصام الزماني، ونقيضتها التي ناقضه بها يحيى، من جيد الشعر، فاقرأها في الوحشيات، والحيوان، والشعر والشعراء: ٧٤٠، ورواية الحيوان والوحشيات " بِيعَتْ بوَكْسٍ قَليلٍ واسْتَقَلَّ بِهَا "
الوكس: اتضاع الثمن في البيع. وفي المخطوطة والمطبوعة " بكسر لئيم "، وهو تحريف لا معنى له، وأظن الصواب ما أثبت اجتهادًا. والكسر: أخس القليل. وقوله: " بيعت " الضمير لابنة مقاتل بن طلبة المنقري التي تزوجها يحيى أو أحد بنيه. يقول: باعها أبوها بثمن بخس دنئ خسيس، فزوجها مستغيثًا ببيعها مما نزل به من الجهد والفاقة، فزوجها هذا الغنى اللئيم الدنيء، ليستعين بمهرها.
(٨) انظر: البيت في: الزاهر: ١/ ١٤٠، وتهذيب اللغة: (ركع) ١/ ١٤٦٢، وتفسير الثعلبي: ١/ ٦٨ ب، "المجمل" (ركع) ٢/ ٣٩٧، "مقاييس اللغة" ٢/ ٤٣٥، و"تفسير ابن عطية" ١/ ٢٧٥، و"القرطبي" ١/ ٢٩٣، "ديوان لبيد" مع شرحه ص ١٧١.
(٩) البيت للطرماح، ويروى:
وَلَكِنيِّ أَسِيرُ العَنْسَ يَدْمَى ... أَظَلاَّها ................
العيس: الإبل، الأَظَل: باطن مَنْسم الناقة والبعير، ويدمى أظلاها من شدة السير، الحزون: جمع حزن، ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة، فهي تعثر وتقع في الحزون: فقال: تركع على التشبيه، انظر: "العين" ١/ ٢٢٧، "الأضداد" لابن الأنباري ص ٢٩٦، "ديوان الطرماح" ص ٥٣٢. [حاشية التفسير البسيط: ٢/ ٤٤٧].