أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا
قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ٤٣]، "يعني: وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة" (١).
قال الطبري: " وإيتاءُ الزكاة، هو أداء الصدقة المفروضة" (٢).
قال ابن عثميمين: " أي أعطوا الزكاة" (٣).
قال مقاتل بن حيان: " قوله لأهل الكتاب: {وآتوا الزكاة}، أمرهم أن يؤتوا الزكاة، يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم" (٤). وكذا فسّره ابن كثير (٥).
وتعددت أقوال أهل التفسير في قوله تعالى {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ٤٣]، على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد: هو أداء الصدقة المفروضة. وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح.
والثاني: وقيل: أن المراد: صدقة الفطر. قاله الحارث العكلي (٦).
والثالث: أن المراد بـ"الزكاة طاعة لله والإخلاص". قاله ابن عباس (٧).
والراجح- والله أعلم- هو القول الأول، وأما الوجهان الآخران، فلا يخفى ما فيهما من التكلف، مع تسليمنا بصدق ما يتضمنه من معان نفيسة. والله أعلم.
واختلف في أصل (الزَّكاة) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها مأخوذة من: زكا الشيء، إذا نما وزاد، قال الراغب: أصل الزكاة: النمو الحاصل عن بركة الله تعالى (٨).
قال ابن عطية: "وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه، من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب الله به المزكي" (٩).
الثاني: أن (الزَّكاةَ) مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال (١٠).
قال ابن عطية: فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس (١١) " (١٢).
واختار الطبري هذا الوجه، قائلا: " وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان (١٣)، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى
(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٨٨.
(٢) تفسير الطبري: ١/ ٥٧٢.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٥٦.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩): ص ١/ ١٠٠.
(٥) أنظر: تفسيره: ١/ ١/٢٤٥.
(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٨): ص ١/ ١٠٠.
(٧) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٦٤): ص ١/ ١٠٠.
(٨) المفردات في غريب القرآن ص: ٢١٣ والمعجم الوسيط ص: ٣٩٨.
(٩) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.
(١٠) انظر: تهذيب اللغة (زكا) ٢/ ١٥٤٢، واللسان: (زكا) ٣/ ١٨٤٩، والمصباح ج ١ ص: ٢٧٢ والمختار من صحاح اللغة ص ٢١٨ والمطلع على أبواب المقنع ص: ٢٢٢ والروض المربع ج ١ ص: ١٠٧ والمجموع شرح المهذب ج ٥ ص: ٢٩١، والمحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.
(١١) رواه مسلم (١٠٧٢)، ولفظه: ""إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
وإنما كانت الزكاة أوساخ الناس؛ لأن الناس يتطهرون بإخراجها، كما قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: ١٠٣]، وليس لها علاقة بمستحقي الزكاة، بل هي مال طيب حلال بالنسبة لهم، لكن إخراجها تطييب وتطهير لما يمكن أن يشوب صاحبها أو عمله أو ماله من سوء، فلذلك منع منها النبي صلى الله عليه وسلم آل محمد، لكن ليس هذا فيه إزراء بالناس، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، يمنع آل النبي صلى الله عليه وسلم من أخذها صيانة لهم عن أن يقبلوا ما تطهر به الناس، وهذه مرتبة عليا، لكن هذا لا يعني أن من يأخذ الزكاة بحق فهو ناقص، فقد جعل الله من مصارف الزكاة الجهاد في سبيل الله، وهو من أفضل الأعمال، ومن مصارفها الغارم للإصلاح بين الناس ولو كان غنيًّا، وهو من خير الأعمال، قال الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، والمقصود أنه ليس صحيحًا أن إعطاء الزكاة لمن يستحقها تنقص له، ومن فهم بهذا المعنى فإنه لم يفهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
(١٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٣٦.
(١٣) السهمان جمع سهم، كالسهام: وهو النصيب والحظ.