وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء -وكان خلقها من ضلعه الأيسر- الجنة وكلا منها أكلاً رغداً واسعا لاحجر فيه من أصناف الثمار والفواكه، ولا تقربا هذه الشجرة بالأكل منها وهى الحنطة أو الكرم أو غيرهما، فتصيرا من الظالمين العاصين.
قوله تعالى {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: ٣٥]، قلنا يا آدم" أسكن في جنة الخلد مع زوجك حواء" (١).
و(الجنة): هي "البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره" (٢).
وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم على قولين (٣):
أحدهما: قال الاكثرون: هي في السماء (٤).
والثاني: وقيل أنها في الأرض، إذ حكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض (٥).
قال ابن عثيمين: " ظاهر الكتاب، والسنة أنها جنة الخلد، وليست سواها؛ لأن "أل" هنا للعهد الذهني" (٦).
وإن قيل: "كيف يكون القول الصحيح أنها جنة الخلد مع أن من دخلها لا يخرج منها. وهذه أُخرج منها آدم؟
فالجواب: أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها: بعد البعث؛ وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة" (٧).
قال الماوردي وسُمِّيت [الأنثى]: امرأةً، لأنها خُلِقَتْ مِنَ المرءِ" (٨).
فأما تسميتها حواء، ففيه قولان (٩):
أحدهما: أنها سميت بذلك لأنها خلقت من حَيٍّ، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود.
والثاني: أنها سميت بذلك، لأنها أم كل حيٍّ.
واختلف فيما خلقت منه حواء على قولين (١٠):
أحدهما: أنه خلقها من مثل ما خلق منه آدم وهذا قول تفرد به ابن بحر المعتزلي، وقد قال الربيع بن أنس حواء من طينة آدم واحتج بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: ٢] (١١).
القول الثاني: وهو ما عليه الجمهور أنه خلقها من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم حتى لم يجد لها مسا قال ابن عباس: فلذلك تواصلا ولذلك سميت امرأة لأنها خلقت من المرء (١٢).
(١) صفوة التفاسير: ١/ ٤٣.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٣.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٣٣.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٨) النكت والعيون: ١/ ١٠٤.
(٩) أنظر: النكت والعيون: ١/ ١٠٤.
(١٠) انظر: أعلام النبوة، الماوردي: ص ٣٨ - ٣٩.
(١١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (٢٣/ ١٣٤). وقوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} فيها قولان:
الأول: أن المراد بالنفس الواحدة: العين الواحدة; أي: من شخص معين، وهو آدم عليه السلام، وقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي: حواء; لأن حواء خلقت من ضلع آدم. (القول المفيد على كتاب التوحيد " للشيخ العثيمين).
الثاني: أن المراد بالنفس الجنس، وجعل من هذا الجنس زوجه، ولم يجعل زوجه من جنس آخر، والنفس قد يراد بها الجنس; كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: من الآية ١٦٤] ; أي: من جنسهم.
(١٢) ال الشيخ الألباني – رحمه الله -: وقد روى ابن سعد (١/ ٣٩) وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: (وخلق منها زوجها)، قال: " خَلق " حواء " من قُصَيْرى آدم " - وهو أعلى الأضلاع وأسفلها، وهما " قٌصَيْريان " -.، وذكر ابن كثير في " البداية " (١/ ٧٤) عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أنها خُلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم، ولأمَ مكانه لحماً، وقال: " ومصداق هذا في قوله تعالى ... " فذكر الآية، مع الآية الأخرى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ اِلَيْهَا ... ) الآية، لكن الحافظ – أي: ابن حجر - أشار إلى تمريض هذا التفسير في شرح قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (استوصوا بالنساء خيراً فان المرأة خلقت من ضِلَع ... )، فقال (٦/ ٣٦٨): قيل: فيه إشارة إلى أن " حواء " خلقت من ضلع آدم الأيسر ".
وقال الشيخ القاري في " شرح المشكاة " (٣/ ٤٦٠): " أي: خُلقن خلقاً فيه اعوجاج، فكأنهن خلقن من الأضلاع، وهو عظم معوج، واستعير للمعوج صورة، أو معنى، ونظيره في قوله تعالى: {خلق الإنسان من عجل. ".قلتأي الألباني-: وهذا هو الراجح عندي، أنه استعارة وتشبيه، لا حقيقة، وذلك لأمرين:
الأول: أنه لم يثبت حديث في خلق حواء من ضلع آدم - كما تقدم -.
والآخر: أنه جاء الحديث بصيغة التشبيه في رواية عن أبي هريرة بلفظ: (إن المرأة كالضِلَع " أخرجه البخاري (٥١٨٤)، ومسلم (٤/ ١٧٨)، وأحمد (٢/ ٤٢٨ و ٤٤٩ و ٥٣٠) وغيرهم من طرق عن أبي هريرة، وصححه ابن حبان (٦/ ١٨٩/٤١٦٨ – " الإحسان ". وأحمد أيضاً (٥/ ١٦٤ و ٦/ ٢٧٩) وغيره من حديث أبي ذر، وحديث عائشة رضي الله عنهم." سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " (١٣/ ١١٣٩، ١١٤٠).