للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)} [المائدة: ٨٧]

التفسير:

يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات أحلَّها الله لكم من المطاعم والمشارب ونكاح النساء، فتضيقوا ما وسَّع الله عليكم، ولا تتجاوزوا حدود ما حرَّم الله. إن الله لا يحب المعتدين.

في سبب نزول الآية ثلاثة اقوال:

أحدها: عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي؛ فحرمت عليّ اللحم؛ فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)} (١). [صحيح لغيره]

الثاني: عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}؛ قال: هم رهط من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسبح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليهم فذكر لهم، فقالوا: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لكنى أصوم وافطر، وأصلي وانام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي؛ فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي؛ فليس مني» " (٢). [حسن]


(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٢٥٥، ٢٥٦ رقم ٣٠٥٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ٢٧٧ رقم ١١٩٨١)، والطبري في "جامع البيان" (١٢٣٥٠): ص ١٠/ ٥٢٠، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦٦٨٧): ص ٤/ ١١٨٦، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٨١٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٣٧) من طريق عثمان بن سعد الكاتب عن عكرمة عن ابن عباس به.
قلنا: وهذا سند ضعيف؛ فيه عثمان هذا وهو ضعيف؛ ضعفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم.
انظر: "الجرح والتعديل" (٦/ رقم ٨٣٨)، و"تهذيب الكمال" (١٩/ ٣٧٦ - ٣٧٨)، و"التقريب" (٢/ ٩).
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
لكن للحديث شواهد تدل على أن له أصلًا، ومعناه صحيح؛ فيرتقي الحديث إلى درجة الصحيح لغيره.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ١٣٩) وزاد نسبته لابن مردويه.
وقد قال الترمذي عقب الحديث: "ورواه بعضهم عن عثمان بن سعد مرسلاً، ليس فيه عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلاً".
يشير الترمذي إلى أن عثمان بن سعد قد خولف في إسناده.
فقد أخرجه الطبري في "جامع البيان" (١٢٣٣٧)، (١٢٣٣٨)، (١٢٣٤٠): ص ١٠/ ٥١٤ - ٥١٥، من طريق يزيد بن زريع وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي ثلاثتهم عن خالد الحذاء عن عكرمة؛ قال: كان أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء؛ فنزلت هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)}. هذا لفظ يزيد.
قلنا: وهذا سند صحيح كالشمس إلى عكرمة؛ لكنه مرسل.
فقد خالف عثمان بن سعد خالداً لحذاء فوصله، والصواب رواية خالد؛ لأنه ثقة من رجال الشيخين بخلاف عثمان.
فتبين أن الصواب في الحديث هو الإرسال، لكن له شواهد تؤكد معناه وتثبت صحته، وانظر الأحاديث والآثار الآتية.
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ١٤٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه الطبري في "جامع البيان" (١٢٣٤٦): ص ١٠/ ٥١٨: ثني المثنى، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٨٧ رقم ٦٦٨٩): ثنا أبي، كلاهما قال: ثنا عبد الله بن صالح -كاتب الليث- ثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عنه به.
قلنا: وهذا سند حسن، وقد أعلّ بعلتين وهما ليستا بشيء:
الأولى: الانقطاع بين علي وابن عباس، وقد تقدم مراراً أن رواية علي عن ابن عباس محمولة على الاتصال؛ كما نص على ذلك أهل العلم كابن حجر وغيره.
الثانية: ضعف عبد الله بن صالح؛ لكن الراوي عنه هنا أبو حاتم الرازي الثقة الحافظ، وقد قال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" (ص ٤١٤): "ظاهر كلام هؤلاء الأئمة: أن حديثه في الأول كان مستقيماً ثم طرأ عليه فيه تخليط، فمقتضى ذلك أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق؛ كيحيى بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم، فهو من صحيح حديثه. .. ".
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ١٣٩) وزاد نسبته لابن مردويه.

<<  <  ج: ص:  >  >>