لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ; لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق، والذين أشركوا مع الله غيره، كعبدة الأوثان وغيرهم، ولتجدنَّ أقربهم مودة للمسلمين الذين قالوا: إنا نصارى، ذلك بأن منهم علماء بدينهم متزهدين وعبَّادًا في الصوامع متنسكين، وأنهم متواضعون لا يستكبرون عن قَبول الحق، وهؤلاء هم الذين قبلوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا بها.
سبب نزول الآيات (٨٢ - ٨٦):
قال المفسرون: نزلت هذه الآية وما بعدها مما يتعلق بها في النجاشي وأصحابه، وفيما يأتي ذكر الأخبار في ذلك:
أولا: - عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعروة بن الزبير؛ قالوا:"بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)} "(١). [ضعيف]
ثانيا: -عن عروة بن الزبير؛ قال:"في قوله: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} نزل ذلك في النجاشي "(٢). [ضعيف]
(١). أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٤/ ٣٤٩ رقم ١٨٤٩١)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (٤/ ١١٨٥ رقم ٦٦٧٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء" (١/ ١١٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٣٦) جميعهم من طريق الزهري عنهم به. قلنا: وهذا مرسل صحيح الإسناد. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٤/ ٣٤٨، ٣٤٩ رقم ١٨٤٨٩)، و"المغازي" (١٦٧، ١٦٨ رقم ١٠٩)، والطبري في "جامع البيان" (١٢٣٢٨): ص ١٠/ ٥٠٨ من طريق هشام بن عروة عن أبيه به. قلنا: وهذا مرسل صحيح الإسناد. والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ١٣٠) وزاد نسبته لأبي الشيخ. هكذا رواه عن هشام بن عروة: عبدة بن سليمان وأبو معاوية مرسلاً. ورواه عمر بن علي بن مقدم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير به موصولاً. أخرجه النسائي في "التفسير" (١/ ٤٤٣ رقم ١٦٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٨٥ رقم ٦٦٨٠)، والطبري في "جامع البيان" (١٢٣٢٦): ص ١٠/ ٥٠٨، والطبراني في "المعجم الكبير" (ص ١٠٧ رقم ٢٥٨ - قطعة من الجزء ١٣) -ومن طريقه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٩/ ٣٢٣ رقم ٢٨٤) -، وابن مردويه في "تفسيره"؛ كما في "الدر المنثور" (٣/ ١٢٩) -ومن طريقه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٩/ ٣٢٣، ٣٢٤ رقم ٢٨٥، ٢٨٦)، والبزار في "المسند" (٣/ ٢٨٦ رقم ٢٧٥٨ - كشف). قلنا: ورجاله ثقات رجال "الصحيح"؛ لكن فيه علة؛ قال ابن سعد -عن عمر بن علي-: "وكان يدلس تدليساً شديداً، يقول: ثنا ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة أو الأعمش أو غيرهما"؛ كما في "التهذيب" (٧/ ٤٨٦). فعلى رأي ابن سعد لا يقبل حديثه حتى ولو صرح بالتحديث كما في حديثنا، والله أعلم. والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ١٢٩) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ. * ملاحظة: في مسند البزار: (ثنا محمد بن عثمان ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي أو عمر بن علي). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٤١٩): "ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عثمان بحر وهو ثقة". قلنا: وفي "التقريب": "صدوق يغرب"، ولعل هذا منها، والصواب رواية الجماعة دون شك ..