قال الزمخشري: " وضلوا لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سواء السبيل حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه" (١).
قال الطبري: أي: " يقول: وضلَّ هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجَّة الحق" (٢).
قال السعدي: " أي: قصد الطريق، فجمعوا بين الضلال والإضلال، وهؤلاء هم أئمة الضلال الذين حذر الله عنهم وعن اتباع أهوائهم المردية، وآرائهم المضلة" (٣).
قال الربيع بن أنس قال: "وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة زمانا فأتاه الشيطان فقال: إنما تركب أثرا أو أمرا قد عمل به قبلك فلا تحمد عليه ولكن إبتدع أمرا من قبل نفسك وادع إليه وأجبر الناس عليه ففعل، ثم تذكر من بعد فعله زمانا، فأراد أن يتوب، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد فلبث في عبادته أياما، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة. فكيف لك بهداهم، فلا توبة لك أبدا، ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" (٤).
الفوائد:
١ - حرمة الغلو والابتداع في الدين، واتباع أهل الأهواء.
٢ - أن الله تعالى نهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين من طريقيه: في التوحيد، وفي العمل.
فغلوهم في التوحيد نسبتهم له الولد سبحانه، وغلوهم في العمل ما ابتدعوه من الرهبانية في التحليل والتحريم والعبادة والتكليف. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٥). وهذا صحيح لا كلام فيه (٦).
وقد ثبت في الصحاح «أن الحولاء بنت تويت، مرت على عائشة وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فقلت: يا رسول الله، هذه الحولاء، وزعموا أنها لا تنام الليل؟ فقال: لا تنام الليل خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا» (٧).
٣ - ومنها ان اتباع الهوى مفسدة للدين والدنيا، وإذا كان لكل نفس هوى وشهوه، فان العاقل يحترس من الهوى. لأن العقل والهوى متعاديان، فإذا كان الهوى عدو العقل وآفته وجب على الإنسان أن يتجرد من الهوى, فالإنسان إذا اتبع الهوى نسي الله, وضل عن سبيل الرشاد, ولهذا قيل: "الهوى شريك العمى", و"كم من عقل أسير في يدي هوى أمير", ولهذا نهى الله عن الهوى فقال جل شأنه: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: ٢٦] , وفي الحديث: "ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ" (٨).
(١).
(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨٨.
(٣) تفسير السعدي: ٢٤٠.
(٤) اخرجه ابن ابي حاتم: ٤/ ١١٨٠ - ١١٨١.
(٥) أخرجه أحمد ٥/ ٢١٨، حديث رقم ٢٢٢٤٢؛ وأخرجه الترمذي ص ١٨٧١، كتاب الفتن، باب ١٨: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، حديث رقم ٢١٨٠؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ٨/ ٢٤٨، باب: ذكر الأخبار عن اتباع هذه الأمة سنن من قبلهم من الأمم، حديث رقم ٦٦٦٧، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٢/ ٢٣٥، حديث رقم ١٧٧١.
(٦) انظر: أحكام القرآن لابن عربي: ٢/! ٤١.
(٧) أخرجه أحمد (٢٦٠٩٥): ص ٤٣/ ٢٠٢، وعبد بن حميد (١٤٨٥)، وأبو عوانة ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩، وأبو نعيم في "الحلية" ٢/ ٦٥ من طريق عثمان بن عمر إسناده صحيح.
وأخرجه مسلم (٧٨٥) (٢٢٠)، وابن حبان (٢٥٨٦)، والبيهقي ٣/ ١٧ من طريق ابن وهب.
وأخرجه الطبراني في "الشاميين" (١٧٥٣) من طريق عبد الله بن سالم.
(٨) أخرجه الطبراني في الأوسط ج ٥ ص ٣٢٨ حديث (٥٤٥٢).