للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعن مجاهد أيضا: " تفرقت بنوا إسرائيل ثلاث فرق في عيسى فقالت فرقة: هو الله، وقالت فرقة هو ابن الله وقالت فرقة: هو عبد الله، ورسوله وروحه، وهي المقتصدة، ومن مسلمة أهل الكتاب" (١).

قال السدي: " قالت النصارى: هو والمسيح وأمه، فذلك قول الله تعالى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سورة المائدة: ١١٦] " (٢).

وقال أبو الصخر: " هو قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا لله تبارك وتعالى ثالث ثلاثة" (٣).

قال مقاتل: " يعنى: الملكانيين (٤)، قالوا: الله والمسيح ومريم" (٥).

قال الأخفش: " وذلك انهم جعلوا معه: عيسى ومريم" (٦).

قال الواحدي: " أَيْ: ثالث ثلاثةٍ من الآلهة والمعنى: أنَّهم قالوا: اللَّهُ واحدُ ثلاثةِ آلهة: هو والمسيح ومريم فزعموا أنَّ الإِلهيَّة مشتركة بين هؤلاء الثلاثة فكفروا بذلك" (٧).

قال الطبري: " وهذا أيضًا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل: أنه لما ابتلاهم بعد حِسْبَانهم أنهم لا يُتبلون ولا يفتنون، قالوا كفرًا بربهم وشركًا: {الله ثالث ثلاثة}، وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية، كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعة بينهما" (٨).

قال الراغب: " أخبر عن النسطورية (٩) والملكية، فهم الذين يقولون أب وابن وروح القدس فيجعلون الله أحد الأقانيم الثلاثة، ومن أن الله هو واحد وهو سبب الموجودات" (١٠).


(١) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٤٥): ص ٤/ ١١٧٩.
(٢) أخرجه الطبري (١٢٢٩٤): ص ١٠/ ٤٨٣.
(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٦٤٧): ص ٤/ ١١٧٩.
(٤) الملكانية: : أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها. ومعظم الروم ملكانية. قالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته. ويعنون بالكلمة: أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس أقنوم الحياة، ولا يسمون العلم قبل تدرعه ابنا، بل المسيح مع ما تدرع به ابن، فقال بعضهم إن الكلمة مازجت جسد المسيح، كما يمازج الخمر أو الماء اللبن.
وصرحت الملكانية بأن الجوهر غير الأقانيم، وذلك كالموصوف والصفة وعن هذا صرحوا بإثبات التثليث وأخبر عنهم القرآن {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة: ٧٣]، وقالت الملكانية: إن المسيح ناسوت كلي، لا جزئي، وهو قديم أزلي، من قديم أزلي، وقد ولدت مريم عليها السلام إلها أزليا، والقتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا. وأطلقوا لفظ الأبوة والبنوة على الله عز وجل وعلى المسيح ... ". [انظر: الملل والنحل: ٢/ ٢٧].
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٩٥.
(٦) معاني القرآن: ١/ ٢٨٦.
(٧) الوجيز: ٣٣٠.
(٨) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٨١ - ٤٨٢.
(٩) النسطورية: أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه. وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة. قال: إن الله تعالى واحد، ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة. وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو. واتحدت الكلمة بجسد عيسى عليه السلام، لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة. وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.
وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم: أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يثبت خواص مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله. قال هو واحد بالجوهر، أي ليس هو مركبا من جنسين بل هو بسيط وواحد. ويعنى بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي أصلين مبدأين للعالم. ثم فسر العلم بالنطق، والكلمة. ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودا، حيا، ناطقا كما تقول الفلاسفة في حد الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان لكونه جوهرا مركبا، وهو جوهر بسيط غير مركب.
وبعضهم يثبت لله تعالى صفات أخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما. ولم يجعلوها أقانيم كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.
ومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة: حي، ناطق، إله. وزعم الباقون أن اسم الإله لا يطلق على كل واحد من الأقانيم.
وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الآب، وإنما تجسد واتحد بجسد المسيح حين ولد. [انظر: الملل والنحل: ٢/ ٢٩].
(١٠) تفسير الراغب الأصفهاني: ٥/ ٤٠٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>