للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد

غير أنّ هذه الأبيات وأمثالها إنْ صح أنها لشعراء جاهليين حقاً، هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبيل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمّون به النصارى من تسميات.

والذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون (تلاميذ) Disciples، و (تلاميذ المسيح)، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم (١) وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد (تلاميذ يوحنا) وقصدوا بذلك النصارى (٢)، وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعملها النصارى للتعبير عن أنفسهم.

كذلك دعا قدماء النصارى جماعتهم ب (الاخوة) وب (الاخوة في الله) Brethren in Lord للدلالة على الجماعة، وب (الأخ) للتعبير عن المفرد، ذلك لأن العقيدة قد آخت بينهم، فصار النصارى كلهم إخوة في الله وفي الدين (٣)، ثم تخصصت كلمة (الأخ) برجل الدين (٤)، ودعوا أنفسهم (القديسين) Saints (٥) والمؤمنين (٦) والمختارين الأصفياء والمدعوّين، ويظهر أنها لم تكن علمية، وإنما وردت للأشارة إلى التسمية التي تليها.

وقد كنى عن مجتمع النصارى ب (الكنيسة) Ecclesia وتعني (المجمع) في الإغريقية، بمعنى المحل الذي يجتمع فيه المواطنون. فكنى بها عن المؤمنين وعن الجماعة التابعة للمسيح. كما عبر عن النصارى ب (الفقراء) وب (الأصدقاء) (٧).

وقد عرف النصارى ب Christians نسبةً إلى Christos اليونانية التي تعني (المسيح) Messiah، أيْ المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار. ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم أتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعُرفوا بها، تمييزاً لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس (٨).

أما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق (نصارى) و (نصراني) و (نصرانية) على النصارى تمييزاً لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح (عيسوي) و (مسيحي)، فلم يُعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى (٩)، وقد قصد في القرآن الكريم ب (أهل الإنجيل) (١٠) النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل، وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات (١١).

وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين، هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم الصليب وتقديسه، ورد أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم- قال لراهبيْن أتياه من نجران، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسلما تسلما، فقالا: قد


(١) Hastings, p. ١٩٢.
(٢) إنجيل مرقس: الإصحاح الثاني، الآية ١٨.
(٣) Hastings, p. ١٠٤.
(٤) أعمال الرسل، الإصحاح الأول، الآية ١٥ وما بعدها، Ency. Reli. Ethic. , ٣, p. ٥٧٣.
(٥) رسالة بولس الرسول، الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس، الإصحاح الأول، الآية الأولى ما بعدها.
(٦) أعمال الرسل: الإصحاح الخامس، الآية ١٤، رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، الإصحاح الأول، الآية الأولى وما بعدها.
(٧) Ency. Reli. Ethic. , ٣, p. ٥٧٤.
(٨) أعمال الرسل: الإصحاح الحادي عشر: الآية ٢٦، الإصحاح ٢٦، الآية ٢٨، رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتس: الإصحاح الرابع، الآية ١٦، Hastings, p. ١٢٧.
(٩)Hughes, Dictionary of Islam, p. ٤٣١.
(١٠) المائدة، الآية ٤٧.
(١١) النهاية في غريب الحديث (٤/ ١٣٦)، المعرب، للجوالقي (٢٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>