للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {وَالنَّصَارَى} [المائدة: ٦٩]، أي: "والنصارى-وهم اتباع المسيح-" (١).

قال الثعلبي: " الذين كانوا على دين عيسى عليه السّلام ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك" (٢).

و{النَّصَارَى} جمع اختلف في مفرده على قولين (٣):

الأول: واحده (نصراني)، وقيل: (نصران)، بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه (٤).

وقد حكى عنهم سماعا (نصران)، بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (٥):

تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس

والأنثى (نصرانة)، قال الأخزر الحماني (٦):

فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ

والثاني: واحده نصْرِي. قاله الخليل بن أحمد (٧).

قال الماوردي: "والأول أظهر" (٨).

وفي سبب تسميتهم بـ (النصارى)، ثلاثة أقوال (٩):

أحدها: أنهم سُمُّوا بذلك، لقريةٍ تُسَمَّى (ناصرة)، كان ينزلها عيسى عليه السلام، فَنُسِبَ إليها، فقيل: عيسى الناصري، ثم نسب أصحابه إليه فقيل: النصارى، وهذا قول ابن عباس (١٠)، وقتادة (١١)، وابن جريج (١٢).

والثاني: أنهم سُمُّوا بذلك، لنصرة بعضهم لبعضٍ، قال الشاعر (١٣):

لمَّا رأيتُ نَبَطاً أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا

كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا


(١) التفسير الميسر: ٣٢٩.
(٢) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٩.
(٣) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣.
(٤) أنظر: الكتاب: ٣/ ٢٥٦.
(٥) لم أعرف قائله. الأضداد لابن الأنباري: ١٥٥، ورواه: " تراه ويضحى وهو. . " ونقله أبو حيان في البحر المحيط ١: ٢٣٨ عن الطبري، وفيهما " إذا دار العشى " وأخطأ القرطبي (تفسيره ١: ٣٦٩) فقال: و " أنشد سيبويه " وذكر البيت، ولم ينشده سيبويه. وروى صدره. (تراه إذا دار العشا متحنفا)
والبيت في صفة الحرباء. و " محنفا ": قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعني أنه مستقبل القبلة. وقوله: " لديه "، أي لدى العشى، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى، ويكون قد ذكره في بيت قبله. وقوله: " شامس "، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا: إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا، وفي قرن الضحى ينتصر
(٦) البيت من شواهد سيبويه (٤١١): ص ٣/ ٢٥٦، وانظر: شرح شواهده للنحاس ص ١٧٨، و"تفسير الطبري" ١/ ٣١٨، "الزاهر" ١/ ١٤١، ٢/ ٢٢٥، "الإنصاف" ص ٣٥٧، "المخصص" ١٧/ ٤٤، "تهذيب اللغة" (نصر) ٤/ ٣٥٨٤، "اللسان" (نصر) ٥/ ٢١١، "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٤٥، "تفسير القرطبي" ١/ ٤٣٣، "البحر المحيط" ١/ ٢٣٨، "الدر المصون" ١/ ٤٠٦، "فتح القدير" ١/ ١٤٨، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة في طأطأتها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وأسجد الرجل: طأطأ رأسه وخفضه وانحنى. قال حميد بن ثور، يصف نوقا:
فلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها
فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصاري لأحبارها
(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣.
(٨) النكت والعيون: ١/ ١٣٣.
(٩) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، والنكت والعيون: ١/ ١٣٣.
(١٠) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٦): ص ٢/ ١٤٥.
(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٧)، و (١٠٩٨): ص ٢/ ١٤٥.
(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٥): ص ٢/ ١٤٥.
(١٣) لم أعرف صاحب الرجز. والأبيات، في معاني القرآن للفراء ١/ ٤٤ أمالي ابن الشجرى ١/ ٧٩، ٣٧١. أنشده شاهدا على حذف واو العطف: أي " وكنت لهم من النصارى جارا "، ثم أنشده في الموضع الآخر شاهدا على حذف الفاء العاطفة أي " فكنت لهم. . ". والبيت من شواهد الطبري: ٢/ ١٤٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>