هذا هو الانتساب الأجوف الذي لا قيمة له. لذلك عقب الله عليه بقوله {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: ١٣٥].
إنّ الله يريد الملة والدين الصحيح. أما الاسم والنسب فلا قيمة له عنده، ومع هذا كله انتقل إلينا هذا المرض الخطير فصار فينا من يتعصب للأسماء والطوائف، ويفخر بالانتساب إلى مشاهير الملة دون العمل بما دعوا إليه، وجاهدوا من أجله. وهذا ليس بنافعهم بل هو ضار بهم: في الدنيا تفرقة وتمزقاً وفتناً. وفي الآخرة خسراناً مبيناً.
القرآن
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)} [المائدة: ٦٩]
التفسير:
إن الذين آمنوا -وهم المسلمون-، واليهود، -والصابئون كذلك -وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه-، والنصارى -وهم أتباع المسيح- من آمن منهم بالله الإيمان الكامل، وهو توحيد الله والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وآمن باليوم الآخر، وعمل العمل الصالح، فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما تركوه وراءهم في الدنيا.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: ٦٩]، أي: إن الذين "صدّقوا الله ورسوله وهم المسلمون" (١).
قال الطبري: أي: " إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام" (٢).
قال ابن عثيمين: " يعني أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل" (٣).
وقرأ عبد الله: «يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون» (٤).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: ٦٩]، أي: " واليهود" (٥).
قال الشيخ ابن عثيمين: "أي: الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى" (٦).
واختلفوا في أصل كلمة «واليهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (٧):
أحدها: أنها من: «هاد» بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل.
والثاني: أنهم سمّوا بذلك، لقولهم: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (٨)، والهائد (٩): التائب، ومن ذلك قول الشاعر (١٠):
إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ
أي: تائب.
(١) صفوة التفاسير: ٣٢٩.
(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٧٦.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.
(٤) انظر: الكشاف: ١/ ٦٦٢.
(٥) التفسير الميسر: ٣٢٩.
(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٣، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣، واللسان، مادة: "هود".
(٨) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٤): ص ٢/ ١٤٣.
(٩) قيل: (هود): جمع هائد كعوذ جمع عائذ وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغيره وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف وعلى القول بالجمعية يكون أسم كان مفردا عائدا على من بإعتبار لفظها وجمع الخبر بإعتبار معناها وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه. (انظر: التحرير والتنوير: ١/ ٣٥٩).
(١٠) البيت بلا نسبة في: درج الدرر في تفسير الآي والسور: ١/ ١٨٩، تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٣، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٢، ولم أتعرف على قائله.