والثاني: أنه الرشوة في الدين. قاله عبدالله (١).
والثالث: أنه الربا. ذكره بعض المفسرين (٢).
قال الواحدي: هو" ما كانوا يأخذونه من الرَّشا على كتمان الحقِّ" (٣).
قال ابن عطية: " السحت: هو الرشا وسائر مكسبهم الخبيث" (٤).
قال الزمخشري: " السحت: كل ما لا يحل كسبه، وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام" (٥).
وروي عن النبي-صلى الله عليه وسلم-: " كُلُّ لحم أنبَته السُّحت فالنار أولى به. قيل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم " (٦).
وأصل «السحت»: الاستئصال، ومنه قوله تعالى: {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه: ٦١]، أي: يستأصلكم، وقال الفرزدق (٧):
وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع ... مِنَ الْمَالِ إلا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ
فسمي سحتاً لأنه يسحت الدين والمروءة (٨).
قوله تعالى: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة: ٦٢]، أي: " لقد ساء عملهم واعتداؤهم" (٩).
قال البيضاوي والنسفي: أي: " لبئس شيئا عملوه" (١٠).
قال الطبري: " يقول: أقسم لَبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون، في مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت" (١١).
قال السمرقندي: " يعني: لبئس ما كانوا يتزودون من دنياهم لآخرتهم" (١٢).
قال ابن كثير: " أي: لبئس العمل كان عملهم وبئس الاعتداء اعتداؤهم" (١٣).
قال السعدي: " وهذا في غاية الذم لهم والقدح فيهم" (١٤).
(١) انظر: تفسير الطبري (١١٩٥٢): ص ١٠/ ٣٢٠.
(٢) انظر: النكت والعيون: ٢/ ٥٠، وتفسير السمعاني: ٢/ ٥٠، وزاد المسير: ١/ ٥٦٥.
(٣) الوجيز: ٣٢٧.
(٤) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١٤.
(٥) الكشاف: ١/ ٦٣٤.
(٦) أخرجه الطبري (١١٩٦٧): ص ١٠/ ٣٢٣، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٢٨٤، ونسبه لعبد بن حميد، وابن مردويه مرفوعًا من حديث ابن عمر، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال الحافظ: رواه ابن جرير مرفوعا ورجاله ثقات ولكنّه مرسل". انظر: ٥/ ٣٦٠ (كتاب الإجارة - باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب.
(٧) ديوانه: ٥٥٦، والنقائض: ٥٥٦، وطبقات فحول الشعراء: ١٩، والخزانة ٢: ٣٤٧، واللسان (سحت) (جلف)، وفي غيرها كثير. والبيت من قصيدته المشهورة، وقبل البيت:
إِلَيْكَ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَمَتْ بِنَا ... هُمُومُ الْمُنَى والْهَوْجَلُ الْمُتَعَسَّفُ
الهوجل: البطن الواسع من الأرض. والمتعسف: المسلوك بلا علم ولا دليل، فهو يسير فيها بالتعسف. ويروى: أو مجرف، وهو الذي جرفه الدهر، أي: اجتاح ماله وأفقره. ويروى في إلا مسحت أو مجلف بالرفع فيهما. وقد تجرف النحاة هذا البيت إعرابًا وتأويلا ..
(٨) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ٣٢٤، والنكت والعيون: ٢/ ٤٠.
(٩) التفسير الميسر: ١١٨.
(١٠) تفسير البيضاوي: ٢/ ١٣٤، وتفسير النسفي: ١/ ٤٥٨
(١١) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٧.
(١٢) بحر العلوم: ١/ ٤٠٣.
(١٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٤.
(١٤) تفسير السعدي: ٢٣٧.