للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفوائد:

١ - تقرير وجود مسخ في اليهود قردة وخنازير.

٢ - اليهود شر الناس مكاناً يوم القيامة, وأضل الناس في هذه الدنيا.

٣ - في الآية دليل على ذكر عيوب المردود عليه، وذلك في قوله: {من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} ففيه ذكر معائب المردود عليه حتى يختزى ويفحم في الخصومة.

٤ - الآية تشير إلى اليهود وإلى كل من سلك سبيلهم، كما هو معروف في غالب ألفاظ القرآن التي تأتي في وصف أعمال أحد من الناس أو تأتي لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومثل هذه الآية لا شك أنها كانت تحكي أخلاق اليهود وأوصافهم، لكن فيها أيضاً إشارة إلى كل من سلك سبيلهم.

٥ - أن الله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى، إذ وصف الله تعالى نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته، فقال -عزّ وجل-: {من لعنه الله وغضب عليه}.

ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ الطحاوي بقوله: " إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس في معناه أحد من البرية" (١).

والأحاديث المشار إليها تؤكد ما جاء في هؤلاء الآي من وصف الله بالغضب، وإن هذا الغضب يحدث في وقت دون وقت، ومن ذلك:

- ما جاء في حديث الشفاعة الطويل وهو يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذاراً للناس عندما يتقدمون إليهم لطلب الشفاعة منهم، وهم: آدم أوب البشر، ونوح، وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن كل واحد منهم يقول: " إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري" (٢) إلى آخر الحديث الطويل.

والحديث يدل دلالة واضحة على أن إثبات صفة الغضب من دين الرسل جميعاً، لأن الشرائع كلها متفقة في الأصول بيد أن الله جعل لكل واحد منهم شرعة ومنهاجاً. ومحل الشاهد من الحديث: " إن ربي غضب اليوم "واللفظ صريح في أنه قد يحدث في ذلك اليوم غضب لم يحدث مثله قبل ذلك، كما لا يحدث بعده مثله.

- وقوله عليه الصلاة والسلام: "من لم يسأل الله يغضب عليه " (٣)، وقد نظم بعضهم هذا المعنى قائلاً (٤):

اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ

- وقوله عليه الصلاة والسلام: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٥).


(١) متن الطحاوية بتحقيق الالباني: ٤٤.
(٢) رواه أحمد ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦ والبخاري ٦/ ٣٧١، ٨/ ٣٩٥، ومسلم ١/ ١٨٥ من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٤٤٢، وصححه الألباني "راجع مشكاة المصابيح رقم الحديث ٢٢٣٦ بتحقيق الألباني".
(٤) البيت بلا نسبة في تفسير القرطبي: ٥/ ١٦٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٩، و ٧/ ١٣٩، ولأبي العتاهية في مجموع رسائل ابن رجب: ٣/ ١٢٦.
وانظر البيت في: "شعب الإيمان" للبيهقي (٢/ ٣٦١ رقم ١٠٦٥) وهو في شروح "الأربعين".
وقبله:
لا تسألنَّ بُني آدم حاجةً ... وسلِ الذي أبوابُهُ لا تُحجب
(٥) المسند (٧٥١): ص ٢/ ١٤٧، وإسناده قوي، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٦ و ١٠/ ٣٨٦، وعبد بن حميد (٨١)، والترمذي (٣٥٦٦) وحسنه، وأبو يعلى (٢٧٥) من طريق يزيد بن هارون، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطيالسي (١٢٣)، وأبو داود (١٤٢٧)، والنسائي في "المجتبى" ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وفي "الكبرى" (٧٧٥٣)، والطبراني في "الدعاء" (٧٥١)، والبيهقي ٣/ ٤٢ من طرق عن حماد بن سلمة، به. وسيأتي برقم (٩٥٧) و (١٢٩٥).
قوله: "كما أثنيت"، قال السندي: أي: أنت الذي أثنيت على ذاتك ثناء يليق بك، فمن يقدر على أداء حق ثنائك، فالكاف زائدة، والخطاب في عائد الموصول بملاحظة المعنى، ويحتمل أن الكاف بمعنى "على"، والعائد محذوف، أي: أنت ثابت على أوصاف أثنيت بها على نفسك، والجملة على الوجهين في محل التعليل، وفيه إطلاق النفس عليه تعالى بلا مشاكلة، وقيل: "أنت" تأكيد للمجرور في "عليك"، فهو من استعارة المرفوع المنفصل موضع المجرور المتصل؛ إذ لا منفصل في المجرور، و"ما" مصدرية، والكاف بمعنى: مثل، صفة ثناء.

<<  <  ج: ص:  >  >>