للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن عطية: "وقوله تعالى: {وجعل} هي بمعنى صير، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى «خلق» (١)، وهذه منه رحمه الله نزعة اعتزالية، لأن قوله: {وعبد الطاغوت} تقديره ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحدا عابد الطاغوت" (٢).

قوله تعالى: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: ٦٠]، أي: " وجعل منهم عُبَّاد الطاغوت" (٣).

قال الطبري: أي: " ومن عبد الطاغوت" (٤). قال البغوي: " وتصديقها قراءة ابن مسعود: «ومن عبدوا الطاغوت» " (٥).

قال ابن كثير: أي: "وجعل منهم من عبد الطاغوت" (٦).

قال مقاتل: فيها تقديم وعبد الطاغوت، يعني: ومن عبد الطاغوت وهو الشيطان" (٧).

قال الزجاج: أي: " أطاع الشيطان فيما سول له وأغراه به" (٨).

قال أبو غسان قال: "قلت لابن أبي ليلى: {وعبد الطاغوت}، فقال: فخدم الطاغوت" (٩).

قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت؟

قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوه.

والثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} [الزخرف: ١٩] " (١٠).

وقد تعددت عبارات أهل التفسير في معنى «الطاغوت» على أقوال:

أحدها: أنه الشيطان (١١)، وهو قول عمر بن الخطاب (١٢)، ومجاهد (١٣)، والشعبي (١٤)، والضحاك (١٥)، وقتادة (١٦)، والسدي (١٧)، وعكرمة (١٨)، واختاره الزجاج (١٩)، وابن كثير (٢٠)، والقاسمي (٢١) وآخرون.


(١) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٣/ ٢٣٦. قال: " ومعنى: «جعل»: خلق كما قال: {وجعل منها زوجها} [الأعراف: ١٨٩]، وكما قال: {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: ١]، وليس عبد".
(٢) المحرر الوجيز: ٢/ ٢١١.
(٣) التفسير الميسر: ١١٨، وصفوة التفاسير: ١/ ٣٢٤
(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٤٣.
(٥) تفسير البغوي: ٣/ ٧٥.
(٦) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٤٣.
(٧) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٨٩.
(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٨٧.
(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٦٥٦٣): ص ٤/ ١١٦٥.
(١٠) الكشاف: ١/ ٦٥٣.
(١١) قال الشنقيطي: " قال بعض العلماء: (الطاغوت): الشيطان، ويدل لهذا قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه}، أي يخوفكم من أوليائه. وقوله تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا، وقوله: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو} وقوله: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء}، والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطان}، وقال: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا}، وقال عن خليله ابرهيم: {يا أبت لا تعبد الشيطان}، وقال: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}، إلى غير ذلك من الآيات". [أضواء البيان: ١/ ١٥٩].
(١٢) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٤) و (٥٨٣٥): ص ٥/ ٤١٧. وابن ابي حاتم (٢٦١٨): ص ٢/ ٤٩٥.
(١٣) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٦): ص ٥/ ٤١٧.
(١٤) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٧): ص ٥/ ٤١٧.
(١٥) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٨): ص ٥/ ٤١٧.
(١٦) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٣٩): ص ٥/ ٤١٧.
(١٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٤٠): ص ٥/ ٤١٧.
(١٨) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ}، قبل الحديث رقم ٤٥٨٣، ولفظه: "الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ".
(١٩) انظر: معاني القرآن: ٢/ ١٨٧.
(٢٠) أنظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣، إذ يقول: " ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها".
(٢١) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>