للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد رد أصحاب هذا القول على أصحاب القول الأول القائلين بعدم جواز الاستعانة بالكفار بردود هي: -

أ- إن أدلة النهي عن الاستعانة بالكفار منسوخة بفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمله كما تقدم ذكر ذلك (١).

ب- إن القائلين بالجواز لم يذكروا أنه يجوز الاستعانة بالكفار مطلقًا وإنما قيدوا ذلك بشرطين هما: -

١ - الحاجة إلى الكفار في حالة عدم وجود من يحل محلهم من المسلمين.

٢ - الوثوق بهم، وغلبة الظن على أمانتهم، وعدم مكرهم. أما بدون هذين الشرطين فلا تجوز الاستعانة بهم بحال من الأحوال وهذا هو الراجح، وعلى ذلك يحمل حديث عائشة -رضي الله عنها- المذكور في صحيح مسلم، ويحصل الجمع بين الأدلة أدلة المنع وأدلة الجواز (٢).

وقد نقل عن الشافعي (رحمه الله) ما يوافق هذا المعنى حيث روي أنه قال: «إن رأى الإمام أن الكافر حسن النية، حسن الرأي مأمون الجانب على المسلمين، وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز ذلك وإلا فلا» (٣).

ولعل هذا هو المتفق مع أدلة النهي وأدلة الجواز، إذ روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين، وهو مشرك، فتكون المسألة في ذلك داخلة تحت مفهوم السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة الإسلامية (٤).

والظاهر لي من الأدلة عدم جواز الاستعانة بالمشركين إلا عند توفر الشرطين المتقدمين وذلك لسببين:

السبب الأول: إن الأحاديث التي استدل بها على جواز الاستعانة بالكفار لا تسلم من مقال أو توجيه يجعل العمل بها غير ملزم. فمقاتلة قزمان مع المسلمين لم يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن له بذلك في ابتداء الأمر، وغاية ما فيه، أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين (٥).

وأما استعانته - صلى الله عليه وسلم - ببشر بن أبي سفيان عينا له على قريش وهو مشرك فإنما استعان به بما دون القتال، وهذه المسألة أقرب في الجواز من مسألة القتال والحرب (٦).

وأما ما روي عن الزهري مرسلاً، فإن مراسيل الزهري ضعيفة والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف (٧).

وأما استعانته - صلى الله عليه وسلم - بابن أبي من المنافقين فليس من قبيل الاستعانة بالكفار لأنه مظهر للإسلام، والمنافق يحكم عليه بحسب ظاهره والله عز وجل يتولى سره (٨).

السبب الثاني: إن توجيه أدلة الجواز وأدلة المنع ممكن باتباع الأوجه التالية: -

الوجه الأول: ما قال الشافعي -رضي الله عنه- إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غرس الرغبة في الذين ردهم، فردهم رجاء أن يسلموا فصدّق الله ظنه فيهم، وفيه نظر لأن قوله - صلى الله عليه وسلم - «فارجع فلن نستعين بمشرك» نكرة في سياق النفي وهي تفيد العموم (٩).


(١) انظر روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن. ج ١ ص ٤٠٢، وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج ٢ ص ٧.
(٢) انظر المصدرين السابقين، من نفس المكان.
(٣) انظر مغني المحتاج ج ٤ ص ٢٢١.
(٤) انظر فقه السيرة/ محمد سعيد رمضان البوطي ص ١٩٠.
(٥) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٥.
(٦) فقه السيرة/ محمد سعيد رمضان البوطي ص ٢٥٢.
(٧) انظر نيل الأوطار للشوكاني ص ٤٥.
(٨) انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.
(٩) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج ٨ ص ٤٣ - ٤٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>