للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف، لهم الأرض التي أردت لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيَّام التي حَسَستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامي. إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة جماعة بني إسرائيل الذين وعدوا قدامي بأن يتيهوا في القفار، فيها يموتون.

فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتًة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض.

فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كلَّه لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتفعوا، إلى رأس الجبل، وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه، من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لم تعتدون في كلام الله؟ من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أنَّ الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله، فلم يكن الله معكم. فأخذوا يَرْقَوْنَ في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة يعني من الخيمة حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. فتيّهم الله عز ذكره في التيه أربعين سنًة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيِّهوا فيها، وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان - فيما يزعمون - على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا، قدَّم يوشع بن نون إلى أريحا، في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم قبره أحد من الخلائق" (١).

قوله تعالى: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: ٢٦]، أي: " فلا تأسف -يا موسى- على القوم الخارجين عن طاعتي" (٢).

قال ابن عباس: " يقول: فلا تحزن" (٣).

قال مقاتل: " يعني: لا تحزن على قوم أنت سميتهم فاسقين أن تاهوا" (٤).

قال السدي: ": لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما نَدِم أوحى الله إليه: {فلا تأس على القوم الفاسقين}، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم فاسقين، فلم يحزن" (٥).

قال الزجاج: " جائز أن يكون هذا خطابا لموسى، وجائز أن يكون خطابا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل" (٦).

قال ابو عبيدة: " {فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ}، لا تحزن، يقال: أسيت عليه، قال العجّاج (٧):

وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى " (٨)


(١) تفسير الطبري (١١٦٩٧): ص ١٠/ ١٩٣ - ١٩٧.
(٢) التفسير الميسر: ٣١٠.
(٣) أخرجه الطبري (١١٧٠٢): ص ١٠/ ٢٠٠.
(٤) تفسير مقاتل بن سليما: ١/ ٤٦٨.
(٥) أخرجه الطبري (١١٧٠٣): ص ١٠/ ٢٠٠.
(٦) معاني القرآن: ٢/ ١٦٦.
(٧) ديوانه ٢٠، والكامل ١: ٣٥٢، واللسان (حلب) (كرس)، وهو من رجزه المشهور، مضى أوله في هذا التفسير ١: ٥٠٩، يقول:
يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا? ... قَالَ: نَعَمْ! أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا
وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى.
(٨) مجاز القرآن: ١/ ١٦١.

<<  <  ج: ص:  >  >>