للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والرابع: أن الإغراء: التحريش، وأصله اللصوق، قال كثير (١):

إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا ... غراء ومدتها حوافل نهل

قال ابن كثير: " أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا؛ فكل فرقة تُحَرم الأخرى ولا تدعها تَلجُ معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (٢).

واختلف أهل التأويل في صفة إغراء الله عز ذكره بينهم العداوة، والبغضاء، وفيه قولان:

أحدهما: كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حَدَثت بينهم. وهذا قول إبراهيم النخعي (٣)، واختيار الطبري (٤).

والثاني: أن ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء. وهذا قول قتادة (٥)، واختيار النحاس (٦)، والسمرقندي (٧).


(١) انظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١١٧، واللسان: ١١/ ١٥٧، و ١٥/ ١٢١، وفيه: " إذا إِذا قُلْتُ أَسْلُو، غارَتِ العينُ بالبُكا ... غِرَاءً، ومَدَّتْها مَدامعُ حُفَّلُ".
(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٧.
(٣) انظر: تفسير الطبري (١١٥٩٨) - (١١٦٠٠): ص ١٠/ ١٣٧.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٧ - ١٣٨.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١١٦٠١): ص ١٠/ ١٣٧.
(٦) انظر: إعراب القرآن: ١/ ٢٦١ - ٢٦٢.
(٧) انظر: بحر العلوم: ١/ ٢٧٦. ذكر السمرقندي في صفة تلك العداوة: " يقال: إن أصل العداوة التي كانت بينهم ألقاها إنسان يقال له «بولس»، كان بينه وبين النصارى قتال، وكان يهوديا فقتل منهم خلقا كثيرا، فأراد أن يحتال بحيلة يلقي بينهم القتال ليقتل بعضهم بعضا، فجاء إلى النصارى، وجعل نفسه، أعور وقال لهم: أتعرفوني؟ فقالوا: أنت الذي قتلت منا وفعلت ما فعلت، فقال: قد فعلت ذلك كله وأنا تائب، لأني رأيت عيسى ابن مريم في المنام نزل من السماء، فلطم وجهي لطمة وفقأ عيني. فقال: أي شيء تريد من قومي؟ فتبت على يده، وإنما جئتكم لأكون بين ظهرانيكم، وأعلمكم شرائع دينكم، كما علمني عيسى في المنام فاتخذوا له غرفة، فصعد تلك الغرفة وفتح كوة إلى الناس في الحائط، وكان يتعبد في الغرفة، وربما كانوا يجتمعون إليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة، وربما يأمرهم حتى يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة، ويقول لهم بقول كان في الظاهر منكرا وينكرون عليه، فكان يفسر ذلك القول بتفسير يعجبهم ذلك، فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به. فقال لهم يوما من الأيام: اجتمعوا قد حضرني علم، فاجتمعوا، فقال لهم: أليس قد خلق الله تعالى هذه الأشياء في الدنيا كلها لمنفعة بني آدم؟ قالوا: نعم، فقال لم تحرمون على أنفسكم هذه الأشياء؟ يعني الخمر والخنزير وقد خلق لكم ما فى الارض جميعا، فأخذوا بقوله واستحلوا الخمر والخنزير، فلما مضى على ذلك أيام دعاهم وقال: حضرني علم. فاجتمعوا وقال لهم: من أي ناحية تطلع الشمس؟ فقالوا: من قبل المشرق. فقال: ومن أي ناحية يطلع القمر والنجوم؟ فقالوا: من قبل المشرق. فقال: ومن يرسلهم من قبل المشرق؟ قالوا: الله تعالى: فقال: فاعلموا أنه من قبل المشرق فإن صليتم له فصلوا إليه، فحول صلاتهم إلى المشرق، فلما مضى على ذلك أيام دعا طائفة منهم وأمرهم بأن يدخلوا عليه في الغرفة. وقال لهم: إني أريد أن أجعل نفسي الليلة قربانا لأجل عيسى، وقد حضرني علم وأريد أن أخبركم في السر لتحفظوا عني وتدعوا الناس إلى ذلك. ويقال أيضا إنه أصبح يوما وفتح عينه الأخرى ثم دعاهم وقال لهم: جاءني عيسى الليلة، وقال: قد رضيت عنك، فمسح يده على عيني فبرئت، فالآن أريد أن أجعل نفسي قربانا. ثم قال لهم: هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلا الله تعالى؟ فقالوا: لا. فقال: إن عيسى قد فعل هذه الأشياء، فاعلموا بأنه هو الله. فخرجوا من عنده. ثم دعا طائفة أخرى فأخبرهم بذلك أيضا، وقال: إنه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة وأخبرهم بأنه ثالث ثلاثة، وأخبرهم بأنه يريد أن يجعل نفسه الليلة قربانا، فلما كان في بعض الليل خرج من بين ظهرانيهم، فأصبحوا وجعلوا كل فريق منهم يقول: قد علمني كذا وكذا. وقال الفريق الآخر: أنت كاذب بل علمني كذا وكذا، فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقا كثيرا وبقيت العداوة بينهم إلى يوم القيامة وهم ثلاث فرق، فرقة بينهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله.
وصنف منهم يقال: لهم المار يعقوبية قالوا: إن الله هو المسيح. وصنف يقال لهم: الملكانية، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة المسيح وأمه والله. فأغرى بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة". [بحر العلوم: ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧].

<<  <  ج: ص:  >  >>