للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: ١٣]، أي: " وجعلنا قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان" (١).

قال أبو عبيدة: " أي: يابسة صلبة من الخير" (٢).

قال النحاس: أي: " ليست بخالصة الايمان، أي: فيها نفاق" (٣).

قال السمرقندي: " يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان" (٤).

قال مقاتل: " يعني: قست قلوبهم عن الإيمان بمحمد- صلى الله عليه وسلم-" (٥).

و«القاسية»: اسم فاعل، من قسوة القلب، من قول القائل: قَسَا قلبه، فهو يقسُو وهو قاسٍ، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابسًا صلبًا (٦)، كما قال الراجز (٧):

وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي

قال الزجاج: " أي: يابسة، يقال للرجل الرحيم: لين القلب، وللرجل غير الرحيم: قاسي القلب ويابس القلب، والقاسي في اللغة، والقاسح - بالحاء -: الشديد الصلابة" (٨).

وقرأ حمزة والكسائي «قَسِيّةً» (٩)، وفيه تأويلان:

أحدهما: أنها أبلغ من قاسية. اختاره الطبري (١٠)، والنحاس (١١).

قال أبو جعفر النحاس: " وهذا قول حسن، لأنه يقال درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره قال أبو جعفر وأولى ما فيه أن تكون «قسية» بمعنى: قاسية، مثل زكية وزاكية، الا أن «فعيلة» أبلغ من «فاعلة»، فالمعنى جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الايمان والتوفيق لطاعتي لان القوم لم يوصفوا بشئ من الايمان فتكون قلوبهم موصوفة فان ايمانها خالطه كفر كالدراهم القسية التي خالطها غش " (١٢). كما قال أبو زُبَيْد الطائي (١٣):


(١) التفسير الميسر: ١٠٩.
(٢) مجاز القرآن: ١/ ١٥٨.
(٣) معاني القرآن: ٢/ ٢٨١.
(٤) بحر العلوم: ١/ ٣٧٦.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٦١.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٦ - ١٢٧، ومعاني القرآن للنحاس: ٢/ ٢٨١.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٣٣، و ١٠/ ١٢٦، ومجاز القرآن: ١/ ١٥٨.
(٨) معاني القرآن: ٢/ ١٦٠.
(٩) انظر: السبعة في القراءات: ٢٤٢، والحجة للقراء السبعة: ٣/ ٢١٦.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٨.
(١١) انطر: معاني القرآن: ٢/ ٢٨١.
(١٢) معاني القرآن: ٢/ ٢٨١.
(١٣) المعاني الكبير: ١٠٢٤، ١٠٢٥، وأمالي القالى ١: ٢٨، وسمط اللآلئ: ١٢٨، ٩٣١، واللسان (أمر) (صهل) من قصيدته في رثاء أمير المؤمنين المقتول ظلمًا، ذي النورين عثمان بن عفان، يقول فيها: يَا لَهْفَ نَفْسِي إنْ كَانَ الَّذِي زَعَمُوا ... حَقًّا، وَمَاذَا يَرُدُّ الْيَومَ تَلْهِيفِي! !
إِنْ كَانَ عُثْمَانُ أَمْسَى فَوْقَهُ أَمَرٌ ... كَرَاقِبِ العُونِ فَوْقَ القُنَّةِ المُوفِي
الأمر (بفتحتين): الحجارة. والعون جمع عانة، وهي حمر الوحش. وراقب العون: الفحل الذي يحوطها ويحرسها على مربأة عالية، ينتظر مغيب الشمس فيرد بها الماء.
ثم يقول بعد ذلك: يَا بُؤْسَ لْلأرْضِ، مَا غَالَتْ غَوَائِلُهَا ... مِنْ حُكْمِ عَدْلٍ وَجُودٍ غَيْرِ مَكْفُوفِ! !
على جَنَابَيْهِ مِنْ مَظَلُومَةٍ قِيَمٌ ... تَعَاوَرَتْهَا مَسَاحٍ كَالْمَنَاسِيفِ
لَهَا صَوَاهَلُ فِي صُمِّ السِّلامِ، كَمَا ... صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ
كَأنَّهُنَّ بِأَيْدِي الْقَوْمِ فِي كَبَدٍ ... طَيْرٌ تَكَشفُ عَنْ جُونٍ مَزَاحِيفِ
قوله: جنابيه أي: جانبيه. مظلومة: حفرت ولم تكن حفرت من قبل، يعني أرض لحده. قيم جمع قامة: يعني ما ارتفع من ركام تراب القبر. والمساحي جمع مسحاة: وهي المجرفة من الحديد. والمناسيف جمع منسفة، وهي آلة يقلع بها البناء وينسف، أصلب وأشد من المسحاة. والصواهل جمع صاهلة مصدر على فاعلة، بمعنى الصهيل: وهو صوت الخيل الشديد، وكل صوت يشبهه. والصم جمع أصم، يعني أنها حجارة صلبة تصهل منها المساحي. والسلام (بكسر السين) الصخور. والصياريف هم الصيارف، وزاد الياء للإشباع. والكبد: الشدة. والجون: السود. ومزاحيف، تزحف من الإعياء، يعني إبلا قد هلكت من الإعياء. شبه المساحي بأيدي القوم وهم يحفرون قبره، بنسور تقع على الإبل المعيية، ثم تنهض، ثم تعود فتسقط عليها. وكان قبر عثمان في حرة المدينة ذات الحجارة السود، فلذلك قال: عن جون مزاحيف [هامش تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٧].

<<  <  ج: ص:  >  >>