ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنها أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: إن أهل بيت منا أهلُ جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مَشْرُبَةً له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (سآمر في ذلك) فلما سمع بنو أُبيرق أتوا رجلاً منهم يُقال له أُسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول اللَّه إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بيِّنة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكلمته، فقال:«عمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينه» قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أُكلم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: الله المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} بني أُبيرق (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي مما قلت لقتادة: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}. (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) إلى قوله {غَفورًا رَّحِيمًا}، أي: لو استغمْروا اللَّه لغفر لهم: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) إلى قوله {وَإِثْمًا مُبِينًا} قولهم للبيد: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} إلى قوله {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، فلما نزل القرآن أتى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالسلاح فرده إلى رفاعة. فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عشا أو عسا - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل اللَّه، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بُشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية فأنزل اللَّه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)}. فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان؟ ما كنت تأتيني بخير" (١).
وقد ذكر ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، وقتادة (٥)، والضحاك (٦)، والسدي (٧)، وابن زيد (٨)، وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في سارق بني أُبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة.
وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزولها، وأورده بعضهم بسياق مقارب للمذكور، لكن الجميع اتفقوا على أن نزولها كان في بني أبيرق، كالطبري (٩)، والبغوي (١٠)، وابن العربي (١١)، وابن
(١) سنن الترمذي (٣٠٣٦): ص ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٦، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٩٥٨): ص ٤/ ١٥، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٥): ص ١٩/ ١٦ – ١٨، والطبري (١٠٤١١): ص ٩/ ١٧٧ - ١٨١، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ رقم ٥٩٣٣ و ٥٩٣٦ و ٥٩٤٨ و ٥٩٥١ و ٥٩٥٥)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٨)، وابن المنذر وأبو الشيخ في "تفسيريهما"؛ كما في "تفسير القرآن العظيم" (١/ ٥٦٥)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٢١/ ٤٨٣ - ٤٨٤). وسنده ضعيف؛ فيه عمر بن قتادة هذا لم يرو عنه سوى ولده عاصم، ولم يوثقه سوى ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١٤٦)؛ ولذا قال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٢١٨): "لا يُعرف إلا من رواية ولده عنه"، وقال الحافظ في "التقريب" (٢/ ٦٢): "مقبول"؛ حيث يتابع، وإلا؛ فلين. ولم يتابع عليه. وصرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية الحاكم. قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحراني". بل رواه -أيضاً- مسنداً يونس بن بكير عند الحاكم. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه! " وسكت عنه الذهبي. وهذا منهم عجيب؛ فمسلم لم يخرج لابن إسحاق في "الأصول"، وكذا عمر بن قتادة. وحسنه الإمام أبو عبد الرحمن الألباني -رحمه الله- في "صحيح الترمذي". (٢) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٣): ص ٩/ ١٨٣ - ١٨٤. (٣) انظر: تفسير الطبري (١٠٤٠٩): ص ٩/ ١٧٦ - ١٧٧. (٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٦): ص ٩/ ١٨٦ - ١٨٨. (٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٢): ص ٩/ ١٨٢ - ١٨٣. (٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٧): ص ٩/ ١٨٨. (٧) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٥): ص ٩/ ١٨٥ - ١٨٦. (٨) انظر: تفسير الطبري (١٠٤١٤): ص ٩/ ١٨٣ - ١٨٥. (٩) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٧٥ - ١٨٨. (١٠) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٩٨ - ٦٩٩. (١١) انظر: أحكام القرآن: ١/ ٦٢٦.