للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن عباس: " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" (١).

قال الرملي: " المعنى: فرضت الصلاة ركعتين في السفر لمن أراد الاقتصار عليهما" (٢).

القرآن

{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)} [النساء: ١٠٢]

التفسير:

وإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم، فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم، فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون، ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية، وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم. ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم; ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم، ولا إثم عليكم حينئذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم، مع أخذ الحذر. إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم.

في سبب نزول الآية وجهان:

أحدها: عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرقي قال: " قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بُعسْفان، قال: فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة. فقالوا: تأتي عليه الآن صلاة هي أحب إليهم من أبناءهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} الآية، قال: فحضرت الصلاة، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذوا السلاح، فصففنا خلفه صفين؛ صف خلف رسول الله جميعاً، ثم سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصف الذي يليه، قال: والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا؛ جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا؛ جلس الآخرون، فسجدوا، ثم جلسوا جميعاً، ثم سلم عليهم جميعاً، قال: فصلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين: مرة بعُسفان، وصلاها يوم بني سُليم" (٣). وروي عن ابن عباس نحوه (٤).


(١) صحيح مسلم برقم (٦٨٧) وسنن أبي داود برقم (١٢٤٧) وسنن النسائي (١/ ٢٢٦، ٣/ ١١٨، ١١٩، ١٦٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٦٨) وتفسير الطبري (٥/ ٢٤٧).
(٢) فتاوى الرملي: ٤/ ٣٦١.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤٢٣٧): ص ٢/ ٥٠٥، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢/ ٤٦٣، ٤٦٥، ٤٦٦)، والطيالسي في "مسنده" (رقم ١٣٤٧)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٦٨٦): ص ٤/ ١٣٦٧، ١٣٦٨، وأحمد (٤/ ٥٩، ٥٩، ٦٠، ٦٠)، وأبو داود في "سننه" (١٢٣٦): ص ٢/ ١١ - ١٢، والنسائي في "المجتبى" (٣/ ١٧٦، ١٧٧)، و"الكبرى" (١٩٣٧، ١٩٣٨): ص ١/ ٥٩٦، ٥٩٧، وابن حبان في "صحيحه" (٢٨٧٦): ص ٧/ ١٢٨ - "إحسان"، والطبري (١٠٣٢٣): ص ٩/ ١٣١، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥٨٩٦): ص ٣/ ١٠٥٢، والدارقطني في "سننه" (٢/ ٥٩، ٦٠، ٦٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ رقم ٥١٣٢، ٥١٣٣، ٥١٣٧، ٥١٣٩، ٥١٤٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٤/ ١٩٦ رقم ٢١٧٩)، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (٢٩٨٥): ص ٣/ ١١٧٦، والحاكم (١/ ٣٣٧، ٣٣٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و"معرفة السنن والآثار" (١٨٤١، ١٨٤٢): ص ٣/ ١٥، والبغوي في "شرح السُّنة" (١٠٩٦): ص ٤/ ٢٨٩، ٢٩٠، والواحدي في "أسباب النزول": ١٨٠، و"الوسيط" (٢/ ١٠٩)، والمزي في "تهذيب الكمال" (٣٤/ ١٦١، ١٦٢) من طرق عن أبي عياش به.
قال الإمام الدارقطني: "صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح".
وقال البغوي: "هذا إسناد صحيح".
وقال ابن كثير في "تفسيره" (٢/ ٤٠١): "وهذا إسناد صحيح، وله شواهد كثيرة". وقال ابن حجر في "الإصابة" (٤/ ١٤٣): "سنده جيد".
(٤) أخرجه البزار في "مسنده" (١/ ٣٢٦ رقم ٦٧٩ - كشف)، والطبري (١٠٣٧٣): ص ٩/ ١٥٦، والحاكم (٣/ ٣٠)، والواحدي في "أسباب النزول": ١٨٠، جميعهم من طريق النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس به.
وسنده ضعيف جداً؛ مداره على النضر، وهو أبو عمر الخزاز متروك؛ كما في "التقريب" (٢/ ٣٠٢).
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ١٩٦): "رواه البزار؛ وفيه النضر بن عبد الرحمن، وهو مجمع على ضعفه". اهـ.
أما الحاكم؛ فقال: "هذا حديث صحيح ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال: "صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه"! ! .
والبخاري لم يخرج البتة للنضر هذا! لكن الحديث صحيح بشاهده من حديث أبي عياش الزرقي -رضي الله عنه- المتقدم آنفاً.

<<  <  ج: ص:  >  >>