للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فما أحزنني شيء حزني وفاته حين بلغني، لأنه قل أحد من هاجر من قريش إلا معه بعض أهله أو ذي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره" (١). وروي عن عبدالرحمن الحزامي نحو ذلك (٢).

قال ابن كثير: " وهذا الأثر غريب جدا فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول" (٣).

والثالث: وروي عن ابن عباس ايضا، قال: " نزلت في أكثم بن صيفي، قيل: فابن الليثي؟ قال: هذا قبل الليثي بزمان، وهي خاصة عامة" (٤).

والرابع: وقال الضحاك: "لما سمع رجل من أهل مكة أن بني كنانة قد ضربتْ وجوهَهم وأدبارَهم الملائكةُ، قال لأهله: أخرجوني، وقد أدنفَ للموت. قال: فاحتمل حتى انتهى إلى عَقَبة قد سماها، فتوفَّي، فأنزل الله: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، الآية" (٥). وروي عن عبدالرحمن بن زيد (٦)، والحسن (٧)، نحو ذلك.

قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: ١٠٠]، أي: " ومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه، قاصدًا نصرة دينه" (٨).

قال الطبري: أي: " ومن يُفارق أرضَ الشرك وأهلَها هربًا بدينه منها ومنهم، إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القَيِّم" (٩).

قوله تعالى: {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: ١٠٠]، أي: " يجد في الأرض مكانًا ومتحولا ينعم فيه بما يكون سببًا في قوته وذلة أعدائه، مع السعة في رزقه وعيشه" (١٠).

قال الطبري: " يقول: " يجد هذا المهاجر في سبيل الله {مراغمًا كثيرًا}، وهو المضطرب في البلاد والمذْهب، وقوله: {وَسَعَةً}، يحتمل «السِّعة» في أمر دينهم بمكة، وذلك منعُهم إياهم - كان - من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية " (١١).

قال الزمخشري: أي: " مراغما مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه، أى: يفارقهم على رغم أنوفهم. والرغم: الذل والهوان. وأصله لصوق الأنف بالرغام- وهو التراب- يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك" (١٢).

قال ابن كثير: " هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه" (١٣).

وفي معنى «المراغم» في الآية الكريمة أقوال:

أحدها: أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض، وهذا قول ابن عباس (١٤)، والربيع (١٥)، ومجاهد (١٦)، والضحاك (١٧)، وابو عبيدة (١٨)، ابن قتيبة (١٩).


(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٨٨): ص ٣/ ١٠٥٠، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (٢٤٦٥): ص ٢/ ٩٥٣، ٩٥٤. إسناده حسن.
وذكره السيوطي في "لباب النقول" (ص ٨٠) وزاد نسبته لابن منده والبارودي في "الصحابة".
(٢) انظر: طبقات ابن سعد: ٤/ ١١٩، وسنده ضعيف جداً؛ الواقدي متروك الحديث، وكذبه أحمد وغيره، لكنه حسن بما قبله.
(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩٢.
(٤) ذكره السيوطي في "الدر المنثور": ٢/ ٦٥١، و"لباب النقول": ٨١، ونسبه لأبي حاتم في كتاب "المعمرين".
(٥) اخرجه الطبري (١٠٢٨٩): ص ٩/ ١١٦، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦٥٣)، وزاد نسبته لعبد بن حميد.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩٣): ص ٩/ ١١٨. [وسنده واهٍ؛ لإعضاله، وعبد الرحمن متروك].
(٧) ذكره السيوطي في "الدر": ٢/ ٦٥٣، ونسبه لعبد بن حميد. [مرسل].
(٨) التفسير الميسر: ٢٧٦.
(٩) تفسير الطبري: ٩/ ١١٢.
(١٠) التفسير الميسر: ٢٧٦.
(١١) تفسير الطبري: ٩/ ١١٢ - ١١٣.
(١٢) الكشاف: ١/ ٥٥٦.
(١٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩٠ - ٣٩١.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩٦): ص ٩/ ١١٩.
(١٥) انظر: تفسير الطبري (١٠٢٩٧): ص ٩/ ١١٩ - ١٢٠.
(١٦) انظر: تفسير الطبري (١٠٣٠٠) - (١٠٣٠٢): ص ٩/ ١٢٠.
(١٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٨٧٨): ص ٣/ ١٠٤٩.
(١٨) انظر: مجاز القرآن: ١/ ١٣٨.
(١٩) انظر: غريب القرآن: ١٣٤ - ١٣٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>