قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الفرقان: ٦٨، ٦٩] وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل.
وقال تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر: ٥٣] وهذا عام في جميع الذنوب، من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق، وغير ذلك: كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[النساء: ٤٨]. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء.
وثبت في الصحيحين (١) خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ! ثم أرشده إلى بلد يَعْبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. كما ذكرناه غير مرة، إن كان هذا في بني إسرائيل فَلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.
فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: «هذا جزاؤه إن جازاه»(٢)" (٣).
قال ابن كثير: "اي: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك مُعَارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، وبتقدير دخول القاتل إلى النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان" (٤).
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن برة " (٥).
وأما حديث معاوية: " كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا" (٦).
(١) انظر: مسند الإمام احمد (١١٦٨٧): ص ١٨/ ٢١٩ - ٢٢٠. إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه ابن ماجه (٢٦٢٢)، (٢) هذا القول عزاه ابن كثير إلى أبي هريرة وجماعة من السلف، وقال: " وقد رواه ابن مردويه مرفوعا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا، ولكن لا يصح "، انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٨. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣١٠) "مجمع البحرين" من طريق محمد بن جامع العطار عن العلاء بن ميمون به، وفي إسناده العلاء بن ميمون، ومحمد بن جامع العطار وهما ضعيفان. قال مكي: "وهذا هو مذهب أهل السنة في الوعد والوعيد، فهي محكمة". (٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٠. (٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨١. [بتصرف بسيط]. (٥) أخرجه احمد (١٢٧٧٢): ص ٢٠/ ١٧١ - ١٧٢، إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ٢/ ٧٠٠ من طريق محمد بن جعفر وحده، بهذا الإسناد، وأخرجه أبو عوانة ١/ ١٨٤ من طريق حجاج بن محمد وحده، به. وأخرجه الطيالسي (١٩٦٦)، ومسلم (١٩٣) (٣٢٥)، والترمذي (٢٥٩٣)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٨٥١)، وأبو يعلى (٢٩٥٦) و (٣٢٧٣)، وابن خزيمة في "التوحيد" ٢/ ٧٠١ و ٧٠٢، وأبو عوانة ١/ ١٨٤، وابن منده في "الإيمان" (٨٧٢)، والبيهقي في "الاعتقاد" ص ١٩٤ من طرق عن شعبة، به. (٦) أخرجه احمد (١٦٩٠٧): ص ٢٨/ ١١٢.حديث صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، وأخرجه المزي في ترجمة أبي عون من "تهذيب الكمال" ٣٤/ ١٥٥، من طريق الإمام أحمد، بهذا الإسناد، وأخرجه النسائي في "المجتبى" ٧/ ٨١، والحاكم ٤/ ٣٥١، من طريق صفوان بن عيسى، به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" ١٩/ (٨٥٨) من طريقين عن ثور. بن يزيد، به. وأخرجه الطبراني في "الكبير" ١٩/ (٨٥٦) و (٨٥٧)، وفي "مسند الشاميين" (١٨٩٢) من طريقين عن أبي عون، به. وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند أبي داود (٤٢٧٠)، وصححه ابن حبان (٥٩٨٠)، والحاكم ٤/ ٣٥١، ووافقه الذهبي. وآخر من حديث عبادة بن الصامت عند البزار (٣٣٢٥). قال السندي: قوله: "إلا الرجل"، أي: إلا ذنب الرجل. "أو الرجل يقتل" ظاهر الحديث موافق لظاهر القرآن، وكان ابن عباس يقول بما يوافقه، والجمهور يقول: إنه محمول على التغليظ، وإلا فقد قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨].