إلا دمٌ أو ماء؟ قال: «فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟ »، قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ »، قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ » حتى تمنَّيتُ أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ}، حتى بلغ {إلا أن يصدّقوا}، قال: إلا أن يَضَعوها" (١).
والثالث: عن بكر بن حارثة الجهني؛ قال: "كنت في سرية بعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فاقتتلنا نحن والمشركون، وحملت على رجل من المشركين؛ فتعوذ مني بالإِسلام؛ فقتلته، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فغضب وأقصاني؛ فأوحى الله إليه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}. قال: فرضي عني، وأدناني" (٢).
والرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير: " قوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن}، يعني: من أهل الحرب، {وهو مؤمن}، يعني: المقتول، قال: نزلت في مرداس بن عمرو وكان أسلم، وقومه كفار من أهل الحرب فقتله أسامة بن زيد خطا" (٣).
قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرَّف عبادَه بهذه الآية مَا على مَن قتل مؤمنًا خطأ من كفَّارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه. وأيّ ذلك كان، فالذي عَنَى الله تعالى بالآية: تعريفَ عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عَقَل عنه من عباده تنزيلَه، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه" (٤).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: ٩٢]، "أي: لا ينبغي لمؤمنٍ ولا يليق به أن يقتل مؤمناً إِلا على وجه الخطأ" (٥).
قال السدي: " المؤمن لا يقتل مؤمنا" (٦).
قال قتادة: " يقول: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه، من عهد الله الذي عهد إليه" (٧).
قال أبو عبيدة: " وهذا كلام تستثنى العرب الشيء من الشيء وليس منه على اختصار وضمير، وليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا على حال إلّا أن يقتله مخطئا، فإن قتله خطئا" (٨).
قال الطبري: أي: " وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنًا، يقول: ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة" (٩).
قال الزجاج: " المعنى: ما كان لمؤمن ألبتة، إلا أن يخطئ المؤمن، فكفارة خطئه ما ذكر بعد" (١٠).
قال الزمخشري: أي: " وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، أن يقتل مؤمنا ابتداء غير قصاص إلا على وجه الخطإ" (١١).
قال الماوردي: " يعني: أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله الله له، وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ومنه قول جرير (١٢):
(١) تفسير الطبري (١٠٠٩٣): ص ٩/ ٣٣. سنده واهٍ بمرةٍ؛ لإعضاله، وعبد الرحمن بن زيد متروك.
(٢) أخرجه الدولابي؛ كما في "الإصابة" (١/ ١٦٣) -وعنه أبو نعيم في "المعرفة" (٣/ ١٤٢ رقم ١٢١٤). في السند من لم نعرفه، ولم نجد له ترجمة.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٦١٧) وزاد نسبته للروياني وابن منده.
(٣) تفسير ابن ابي حاتم (٥٧٩٨): ص ٣/ ١٠٣٤.
(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٣ - ٣٤.
(٥) صفوة التفاسير: ٢٧٢.
(٦) أخرجه ابن ابي حاتم (٥٧٨٠): ص ٣/ ١٠٣٠ - ١٠٣١.
(٧) أخرجه الطبري (١٠٠٨٨): ص ٩/ ٣٠.
(٨) مجاز القرآن: ١/ ١٣٦.
(٩) تفسير الطبري: ٩/ ٣٠.
(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٩٠.
(١١) الكشاف: ١/ ٥٤٨.
(١٢) ديوانه: ٤٥٧، والنقائض: ٧٠٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٣٧، من قصيدته التي هجا فيها الفرزدق وآل الزبرقان بن بدر، وهو من أول القصيدة، وقبله: أَمِنْ عَهْدِ ذِي عَهْدٍ تَفِيضُ مَدَامِعِي ... كَأَنَّ قَذَى الْعَيْنَيْنِ مِنْ حَبِّ فُلْفُلِ?
فَإنْ يَرَ سَلْمَى الجِنُّ يَسْتَأْنِسُوا بِهَا، ... وَإِنْ يَرَ سَلْمَى رَاهِبُ الطُّورِ يَنْزِلِ
ورواية الديوان وأبي عبيدة في النقائض: "إِلاَّ نِيرَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ"
و"النير" (بكسر النون): علم الثوب. و"المرط": إزار خز له علم، ويكون من صوف أيضا. وأما "الريط" فهو جمع"ريطة": وهي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين، وتكون ثوبًا دقيقًا لينًا. و"المرحل": الموشى، وهو ضرب من البرود، وشيه معين كتعيين جديات الرحل.