صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، كنا في عِزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذِلة! فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا. فلما حوَّله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى:" ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم "، الآية" (١). وروي عن قتادة (٢)، والسدي نحو ذلك (٣).
وفي السياق نفسه ذكر الواحدي عن الكلبي، قال: " نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم:«كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم»، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٤).
وفي السياق نفسه قال مقاتل: "نزلت في عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص- رضي الله عنهما- وهما من بني زهرة وقدامة بن مظعون الجمحي والمقداد بن الأسود الكندي- رضي الله عنهم- وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة سرا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فإني لم أومر بقتالهم»، فلما هاجر النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة أمر الله- عز وجل- بالقتال فكره بعضهم فذلك قوله- عز وجل-: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ}، يعني: فرض القتال بالمدينة، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ}: نزلت في طلحة بن عبيد الله- رضي الله عنه- (٥)، {يَخْشَوْنَ النَّاسَ}، يعني كفار مكة، {كَخَشْيَةِ اللَّهِ}، فلا يقاتلونهم، {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}، وقالوا: وهو الذي قال: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ}" (٦).
الثاني: أن هذه الآية وآيات بعدها، نزلت في اليهود. وهذا قول ابن عباس (٧) ومجاهد (٨).
أخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}، إلى قوله:{لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}(٩)، ما بين ذلك في اليهود" (١٠).
والثالث: أنها نزلت في المنافقين، وهو قول بعض البصريين (١١).
والرابع: أنها من صفة المؤمن لما طُبعَ عليه البشر من المخافة، وهذا قول الحسن (١٢).
قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ}[النساء: ٧٧]، أي: " ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين قيل لهم قبل الإذن بالجهاد: امنعوا أيديكم عن قتال أعدائكم من المشركين" (١٣).
قال الزمخشري: " أى: كفوها عن القتال، وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه " (١٤).
(١) تفسير الطبري (٩٩٥٢): ص ٨/ ٥٤٩. (٢) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٣): ص ٨/ ٥٤٩ - ٥٥٠. (٣) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٤): ص ٨/ ٥٥٠، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٦١٩): ص ٣/ ١٠٠٣. وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات رجال مسلم. وصححه الإمام الألباني -رحمه الله- في "صحيح سنن النسائي" (رقم ٢٨٩١). (٤) اسباب النزول: ١٦٦ - ١٦٧. (٥) قال ابن حجر: " ولعله كان ممن قال ذلك أولا، وأما الفريق {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ}، فاللائق أنهم ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه وطلحة كان من الراسخين". [العجاب: ٢/ ٩١٨]. وانظر ترجمته في الإصابة: ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠. (٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠. (٧) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٦): ص ٨/ ٥٥٠، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٦٣٣): ص ٣/ ١٠٠٦. وهو ضعيف جداً؛ إسناده مسلسل بالعوفيين. (٨) انظر: تفسير الطبري (٩٩٥٥): ص ٨/ ٥٥٠، وتفسير ابن ابي حاتم (٥٦١٩): ص ٣/ ١٠٠٣. وهو مرسل صحيح. (٩) [سورة النساء: ٨٣]. (١٠) تفسير الطبري (٩٩٥٥): ص ٨/ ٥٥٠. (١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٧. (١٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٥٠٧. (١٣) التفسير الميسر: ٩٠. (١٤) الكشاف: ١/ ٥٣٥.