وعن عكرمة:" في قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}[سورة البروج: ٣]، قال: الشاهد محمد، والمشهود يوم الجمعة. فذلك قوله: "{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}" (١).
عن المسعودي، عن القاسم: "أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: اقرأ علي. قال، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فقرأ ابن مسعود «النساء» حتى بلغ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قال: استعبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكفّ ابن مسعود، قال المسعودي، فحدثني جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شهيدًا عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهم، وأنتَ على كل شيء شهيد»" (٢).
واخرج ابن أبي حاتم عن زر، قال: "قال عبد الله: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ، فافتتحت «النساء» حتى إذا انتهيت إلى قول الله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قال: فدمعت عيناه وقال: «حسبنا»" (٣).
وروي عن يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه قال: "وكان أبي ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئا فقرأ، فأتى على هذه الآية:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب لحياه وجنباه فقال:«يا رب هذا، شهدت على من بين ظهري، فكيف بمن لم أره»" (٤).
قال السدي: " إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحدُ والاثنان والعَشَرة، وأقلُّ وأكثر من ذلك، حتى يُؤتى بقوم لوط صلى الله عليه وسلم، لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم: هل بلَّغتم ما أرسلتُمْ به؟ فيقولون: نعم. فيقال: من يشهد، فيقولون: أمة محمد صلى الله عليه وسلم! فيقال لهم: اشهدوا، إنّ الرسل أودعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربنا نَشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد صلى الله عليه وسلم. فيدعى محمد عليه السلام، فيشهدُ أن أمته قد صدَّقوا، وأنّ الرسل قد بلَّغوا، فذلك قوله:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[سورة البقرة: ١٤٣]" (٥).
قال السمعاني: " واختلفوا في أن النبي هل يشهد على من لم يره؟ منهم من قال: إنما يشهد على من رآه، والصحيح: أنه يشهد على الكل، على من رأى، وعلى من لم ير" (٦).
قال البغوي: " شاهدا يشهد على جميع الأمة، على من رآه ومن لم يره" (٧).
(١) أخرجه الطبري (٩٥١٧): ص ٨/ ٣٦٩. (٢) أخرجه الطبري (٩٥١٩): ص ٨/ ٣٧٠. قال السيد المحقق: " وهذا الحديث في الحقيقة حديثان: أولهما: رواية المسعودي - معن بن عبد الرحمن - عن القاسم. والظاهر أن القاسم هذا: هو أخوه " القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ". وهو تابعي ثقة. ولكنه لم يدرك أن يروي عن جده " عبد الله بن مسعود"، ولم يذكر هنا أنه " عن ابن مسعود " - حتى يكون إسنادًا منقطعًا. فهو حديث مرسل. ولكن هذا الحديث الأول منهما ثابت صحيح بالأسانيد المتصلة. فقد رواه البخاري ٩: ٨١ (فتح)، من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله. وكذلك رواه أحمد في المسند: ٣٦٠٦، ٤١١٨، من طريق الأعمش، به. ورواه أحمد أيضًا: ٣٥٥٠، من رواية أبي حيان الأشجعي، عن ابن مسعود، و: ٣٥٥١، من طريق أبي رزين، عن ابن مسعود. ونقله ابن كثير في فضائل القرآن، ص: ٧٧، عن البخاري. ثم قال: " وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه، من طرق، عن الأعمش. وله طرق يطول بسطها ". ونقله في التفسير ٢: ٤٥٢ - ٤٥٣، عن البخاري أيضًا. ثم قال: " وقد روى من طرق متعددة عن ابن مسعود. فهو مقطوع به. ورواه أحمد من طريق أبي حيان، وأبي رزين، عنه ". ونقله السيوطي ٢: ١٦٣، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل. وثانيهما: رواية المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه. وهذا مكرر للحديث السابق: ٩٥١٨، ولكنه جعله هنا من حديث عمرو بن حريث، لم يذكر فيه روايته عن ابن مسعود. فيكون مرسل صحابي. فهو صحيح بكل حال. وقد رواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣١٩، من طريق جعفر بن عون، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه - مطولا - بقصة قراءة ابن مسعود هذه الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن فيه النص الذي هنا " شهيدًا عليهم ما دمت فيهم ... ". فأصل الحديث صحيح ثابت. ولذلك قال الحاكم: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي. ونقل السيوطي ٢: ١٦٣ رواية الحاكم، مختصرة قليلا، ولم ينسبها لغيره. (٣) تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٤٣): ص ٣/ ٩٥٦. (٤) تفسير ابن أبي حاتم (٥٣٤٤): ص ٣/ ٩٥٦، ومجمع الزوائد ٧/ ٧. (٥) أخرجه الطبري (٩٥١٥): ص ٨/ ٣٦٩. (٦) تفسير السمعاني: ١/ ٤٢٩. (٧) تفسير البغوي: ١/ ٦٢٤.