للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الراغب: " البخل: أعظم المعايب، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:

«وأي داء أدوى من البخل؟ » (١)، وأعظم منه حث الغير عليه، وكأن الشاعر بهذه الآية ألم في قوله (٢):

وإن امرءاً ضنَّتْ يداهُ على امرئٍ ... بنيلِ يدٍ من غيرهِ لبخيلُ

وقالوا: فلان يمنع دره ودر غيره، والحر يعطي والعبد يألم قلبه، ولم يرد تعالى بالبخل: البخل بالمال فقط، بل بجميع ما منه نفع الغير، من نصرة وعلم، ودخل في عموم الأمر بالبخل: من ترك شكر من أحسن إليه، أو أخل بقضاء دين فيصير سببا لمنع الإسداء إلى الغير، ولهذا قيل: لعن الله قاطعي المعروف" (٣).

قوله تعالى: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: ٣٧]، أي: " ويجحدون نِعَمَ الله عليهم، ويخفون فضله وعطاءه" (٤).

قال الزجاج: " أي: ما أعطاهم من العلم برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -" (٥).

وفي قوله تعالى: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: ٣٧]، وجوه:

أحدها: أنهم أهل الكتاب كتموا محمدا وما أنزل عليه. قاله الضحاك (٦)، وروي عن السدي (٧) نحو ذلك.

والثاني: أنهم كتموا الإسلام ومحمدا صلى الله عليه وسلم. وهم {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ}. قاله قتادة (٨).

والثالث: أن المراد: النبوة التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا قول عكرمة (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠).

قال الواحدي: " الفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا قول عامة المفسرين" (١١).

قال الراغب: " يدخل فيه (١٢) من يستحقر ما آتاه الله من نعمته مالا كان أو عافية، ومن خول علما ولم يفده مقتبسه منه، ومن ينسى كثير ما أنعم الله عليه ويتذكر قليل ما يناله من نائبة، كقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: ٦]، قيل في تفسيره: ينسى النعم ويذكر المحن" (١٣).

قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: ٣٧]، أي: " وأعددنا للجاحدين عذابًا مخزيًا" (١٤).

قال مجاهد: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}، نزلت في اليهود" (١٥).

قال الزجاج: " أي جعلنا ذلك عتادا لهم، أو مثبتا لهم. فجائز أن يكون موضع الذين نصبا على البدل، والمعنى: إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، أي لا يحب الذين يبخلون، وجائز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون الخبر: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: ٤٠]، ويكون: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} [النساء: ٣٨]، عطفا على: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ}، في النصب والرفع، وهؤلاء يعنى بهم المنافقون، كانوا يظهرون الإيمان ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر" (١٦).

قال الراغب: " ونبه بقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ}، أن من فعل ذلك فهوكافر للنعمة، ومن كفر نعمة الله فقد أعد له عذابا" (١٧).


(١) أخرجه البخاري، في "الأدب المفرد" (٢٩٦).
(٢) لأبى تمام، في ديوان المعاني: ١/ ١٦٢، ومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء: ١/ ٦٩٧، ونهاية الإرب: ٣/ ٩٦، وقيل للبحترى.
(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٣٦.
(٤) التفسير الميسر: ٨٤.
(٥) معاني القرآن: ٢/ ٥١.
(٦) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٥): ص ٣/ ٩٥٢.
(٧) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٥): ص ٣/ ٩٥٢.
(٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٦): ص ٣/ ٩٥٢.
(٩) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (٥٣٢٧): ص ٣/ ٩٥٢.
(١٠) انظر: تفسير ابن المنذر (١٧٧٢): ص ٢/ ٧٠٨.
(١١) التفسير البسيط: ٦/ ٥١١.
(١٢) أي في قوله: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: ٣٧].
(١٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٣٧.
(١٤) التفسير الميسر: ٨٤.
(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٢٨): ص ٣/ ٩٥٣.
(١٦) معاني القرآن: ٢/ ٥١.
(١٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ١٢٣٧ - ١٢٣٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>