للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأشفقت إن اغتسلت أن أهلكَ، فذكرت قول الله عز وجل {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا" (١).

وروي عن ابن عباس: "أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جُنُب، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفْتُ أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا]} (٤) قال: فسكت عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم" (٢).

وروي "أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولن بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات، فقال ربكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» " (٣).

ونقل الثعلبي عن سماك عن جابر بن سمرة: "أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم" (٤).

وعن حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: "ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أن مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم}، الآية، ثم انساب في الناس فذهب" (٥).

الفوائد:

١ - حرمة مال المسلم، وكل مال حرام وسواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا.

٢ - إباحة التجارة والترغيب فيها والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل.

٣ - تقرير مبدأ " إنما البيع عن تراض" (٦)، و"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٧).

٤ - حرمة قتل المسلم نفسه أو غيره من المسلمين؛ لأنهم أمة واحدة.

القرآن

{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)} [النساء: ٣٠]

التفسير:

ومن يرتكب ما نهى الله عنه من أخذ المال الحرام كالسرقة والغصب والغش معتديًا متجاوزًا حد الشرع، فسوف يدخله الله نارًا يقاسي حرَّها، وكان ذلك على الله يسيرًا.

قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا} [النساء: ٣٠]، "أي ومن يرتكب ما نهى الله عنه معتدياً ظالماً لا سهواً ولا خطأً" (٨).

قال ابن كثير: " أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه" (٩).

قال الزجاج: " أي: ومن يأكلها ويقتل النفس - لأن قوله: {ولا تقتلوا أنفسكم}، أي لا يقتل بعضكم بعضا، فمن فعل ذلك عدوانا وظلما: معنى العدوان أن يعدوا ما أمر به، والظلم أن يضع الشيء في غير

موضعه" (١٠).


(١) المسند (٤/ ٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤) ..
(٢) رواه الطبراني (١١/ ٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٦٤): "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب".
(٣) صحيح مسلم: ١/ ٧٥ ..
(٤) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٣.
(٥) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٤، وانظر الخبر بطوله في الطبقات الكبرى: ٦/ ٧٨.
(٦) اخرجه ابن المنذر (١٦٤٢): ص ٢/ ٦٦٠.
(٧) أخرجه: أحمد ٢/ ٩، عن ابن عمر، والبخاري (٢٠٧٩) كتاب: البيوع، باب: إذا بيَّن البيّعان عن حكيم بن حزام، والدارمي: البيوع، في البيعان بالخيار ٢/ ٣٢٥، عن حكيم، والطبراني في "الكبير" ٣/ ١٩٩، عن حكيم، والحاكم: البيوع، البيعان بالخيار ٢/ ١٦، عن سمرة بن جندب، والبيهقي: البيوع، المتبايعان بالخيار ٥/ ٢٦٩، عن ابن عمر.
(٨) صفوة التفاسير: ٢٤٨.
(٩) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(١٠) معاني القرآن: ٢/ ٤٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>