وقال الكلبي: "يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم" (١).
قال الثعلبي: أي: " يريد الله أن يبين شرائع دينكم ومصالح أمركم" (٢).
قال مقاتل: " يعني أن يبين لكم" (٣).
قال الزمخشري: " أصله: يريد الله أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في: لا أبالك، لتأكيد إضافة الأب. والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفى عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم" (٤).
قال الأخفش: " معناه: يريد هذا ليبين لكم، قال الشاعر (٥):
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
فمعناه: أريد هذا الشيء لأنسى ذكرها" (٦).
قال الفراء: " العرب تجعل اللام في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيرا من ذلك قول الله تبارك وتعالى: {يريد الله ليبين لكم} (٧)، و {يريدون ليطفؤا} (٨)، وقال في الأمر في غير موضع من التنزيل، {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} (٩)، وهي في قراءة عبد الله، {وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين} " (١٠).
قال الزجاج: " قال الكوفيون معنى اللام معنى أن، وأردت، وأمرت، تطلبان المستقبل، لا يجوز أن تقول: أردت أن قصت، ولا أمرت أن قمت، ولم يقولوا لم لا يجوز ذلك. وهذا غلط أن تكون لام الجر تقوم مقام " أن " وتؤدي معناها، لأن ما كان في معنى أن دخلت عليه اللام. تقول: جئتك لكي تفعل كذا وكذا، وجئت لكي تفعل كذا وكذا. وكذلك اللام في قوله: {يريد الله ليبين لكم}، كاللام في «كي»، المعنى: أراده الله عز وجل للتبيين لكم.
أنشد أهل اللغة (١١):
أردت لكيما لا ترى لي عبرة ... ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل
وأنشدنا محمد بن يزيد المبرد (١٢):
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيسر والوفود شهود
فأدخل هذه اللام على " كي "، ولو كانت بمعنى أن لم تدخل اللام عليها، وكذلك أردت لأن تقوم، وأمرت لأن أكون مطيعا، وهذا كقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون} [يوسف: ٤٣]، أي: إن كنتم عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله - عز وجل - أيضا: {لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: ١٥٤]، أي: الذين هم رهبتهم لربهم" (١٣).
قوله تعالى: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: ٢٦]، "أي: يرشدكم إِلى طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم" (١٤).
قال مقاتل بن حيان: " كذلك كان سنة الذين من قبلكم" (١٥).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: شرائع هدى من كان قبلكم من المؤمنين من تحريم النسب والصهر" (١٦).
(١) "الكشف والبيان"٤/ ٤١ أ، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٤٨، "معالم التنزيل" ٢/ ١٩٨، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٨٢.
(٢) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٠.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٨.
(٤) الكشاف: ١/ ٥٠١.
(٥) البيت لكثير في ديوانه" ص ١٠٨، "المحتسب" ٢/ ٣٢، والبيت غير منسوب في: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٦٩، وتفسير الثعلبي: ٣/ ٢٩٠، وتفسير القرطبي: ٥/ ١٤٨، ولسان العرب: ٣/ ١٨٨.
(٦) معاني القرآن: ١/ ١٦٩.
(٧) [سورة النساء: ٢٦].
(٨) [سورة الصف: ٨].
(٩) [سورة الأنعام: ٧١].
(١٠) معاني القرآن: ٣/ ٢٨٢.
(١١) انظرم البيت في همع الهوامع" ٢/ ٣٧١، و"خزانة الأدب" ٨/ ٤٨٦، و"اللسان" (أثل)، و"الأمالي" ٢/ ٤٦.
(١٢) البيت غير منسوب في الطبري ٥/ ٢٧، "الإنصاف" للأنباري ص ٤٦٦. وجاء في حاشيته: .. وشنا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها. أي يهلك، والبلقع الخالية. والشاهد منه أن الشاعر أظهر أن بعد: كي ..
(١٣) معاني القرآن: ٢/ ٤٢ - ٤٣.
(١٤) صفوة التفاسير: ٢٤٨.
(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٦٩): ص ٣/ ٩٢٥.
(١٦) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٣٦٨.