والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضا، ويلابس بعضا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي (١):
فقلت ما أنا ممن لا يواصلني ... ولا ثوائي إلا ريث أحتمل
أي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزوج الأمة (٢).
قال الزجاج: ويقوي هذا الوجه، " لأنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد" (٣).
والى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: "المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض " (٤).
قال الزجاج: " وإنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب وتعير بالهجنة، كانوا يسمون ابن الأمة الهجين، فأعلم الله - عز وجل - أن أمر العبيد وغيرهم مستوفى الإيمان (٥).
وإنما حرم التزوج بالأمة إذا وجد إلى الحرة سبيل لسببين (٦):
أحدهما: أن ولد الحر من المملوكة مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيا.
والثاني: أن الأمة مستخدمة في الحاجات، ممتهنة بكثرة عشرة الرجال وذلك شاق على الزوج.
قال الزجاج: " فلذلك كره تزوج الحر بالأمة، فأما المفاخرة بالأحساب والتعيير بالأنساب فمن أمر الجاهلية" (٧).
وفي هذا السياق يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أربع في أمتي من الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ودرع من جرب» (٨).
قوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: ٢٥]، "أي: فتزوجوهن بأمر أسيادهن وموافقة مواليهن" (٩).
قال السدي: " فلتنكح الأمة بإذن أهلها" (١٠). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (١١).
وقال مقاتل بن حيان: " يعني: بإذن أربابهن" (١٢).
قوله تعالى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ٢٥]، " أي: ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفسٍ ولا تبخسوهن منه شيئاً استهانة بهن لكونهن إِماء" (١٣).
قال ابن زيد: " {وآتوهن أجورهن}، قال: الصداق" (١٤).
قال مقاتل بن حيان: " يعني: مهورهن بالمعروف" (١٥).
قال الطبري: " ويعني بقوله: {بالمعروف}: على ما تراضيتم به، مما أحلَّ الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورًا لهن" (١٦).
(١) ديوانه" ص ١٩٧، "أساس البلاغة" ص ١٨٦ (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل. ومعنى يواصلني: يوافقنى ..
(٢) انظر: "معانى الزجاج" ٢/ ٤، والتفسير البسيط للواحدي: ٦/ ٤٥٣.
(٣) معاني الزجاج" ٢/ ٤١.
(٤) ذكره الواحدي في التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٤، ولم اقف عليه.
(٥) انظر: التفسير البسيط: ٦/ ٤٥٤.
(٦) انظر: انظر: معاني القرآن للزجاج: ٢/ ٤١، والتفسير البسيط للوحدي: ٦/ ٤٥٤.
(٧) معاني القرآن: ٢/ ٤١.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (١٢١٠٣): ص ٣/ ٣٩٠، و"أحمد (٢٣٢٩١): ص ٥/ ٣٤٢، وفي (٢٣٢٩٢): ص ٥/ ٣٤٣، وفي (٢٣٣٠٠): ص ٥/ ٣٤٤، و"مسلم" (٢١١٦): ص ٣/ ٤٥، و"أبو يعلى" ١٥٧٧، و"ابن حبان" (٣١٤٣).
(٩) صفوة التفاسير: ٢٤٧.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٤٩): ص ٣/ ٩٢٢.
(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥١٤٩): ص ٣/ ٩٢٢.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٥٠): ص ٣/ ٩٢٢.
(١٣) صفوة التفاسير: ٢٤٧.
(١٤) أخرجه الطبري (٩٠٧٣): ٨/ ١٩٢.
(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٥١٥١): ص ٣/ ٩٢٢.
(١٦) تفسير الطبري: ٨/ ١٩٢.