قال الثعلبي: وهذا قول أكثر أهل المعاني" (١).
وعلى القول الثاني فإن الخطاب يكون فيه التفات، إذ رجع من الخبر إلى الخطاب، كقوله تعالى: {وحَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ َوَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: ٢٢]، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب، ولم يقل: وَجرَين بكم، ومنه قول أبي كبير الهُذَلي (٢):
يَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ
ومنه قول لبيد بن ربيعة (٣):
بَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً ... وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا
إذ رجع من الغيبة إلى أسلوب المخاطب، والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى.
قوله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: ١٧٩]، واختلفوا في فتح الياء وضمها والتخفيف والتشديد من قوله {حتى يميز الخبيث من الطيب} ١٧٩ و {ليميز الله} الأنفال ٣٧
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر {حَتَّى يَمِيزَ}، ووكذلك التي في الأنفال: {ليميز الله} [الأنفال: ٣٧]، وقرأ حمزة والكسائي {حتى يُميّز}، و {ليُميّز} [الأنفال: ٣٧] بضم الياء والتشديد (٤).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: ١٧٩]، أي: " وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء" (٥).
قال الثعلبي: أي: " لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره" (٦).
قال ابن كثير: " أي: أنتم لا تعلمون غيبَ الله في خلقه حتى يُميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك" (٧).
ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: ١٧٩]، وجهان:
أحدهما: أن المعنى: وما كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا. قاله السدي (٨).
والثاني: أن المراد: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه. وهذا قول محمد بن إسحاق (٩).
قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: ١٧٩]، " أي: ولكن الله يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على غيبه" (١٠).
قال الطبري: أي: " غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم" (١١).
قال محمد بن إسحاق: " {ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء}، يعلمه" (١٢).
عن مجاهد في قوله: " {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء}، قال: يخلصهم لنفسه" (١٣).
قال الثعلبي: أي: " ولكن الله يجتبي يختار من رسله من يشاء بالغيب فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: ٢٦ - ٢٧] ... وروى
(١) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٨.
(٢) ديوان الهذليين ٢: ١٠١، وقوله "جدة" يعني شبابه الجديد. والجدة: نقيض البلى. والتراب الأعفر: الأبيض، قل أن يطأه الناس لجدبه. وخالد: صديق له من قومه، يرثيه.
(٤) انظر: السبعة: ٢٢٠.
(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢٧.
(٦) تفسير الثعلبي: ٣/ ٢١٩.
(٧) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٣.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧٤): ص ٧/ ٤٢٦.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٨٢٧٥): ص ٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٢٢٥.
(١١) تفسير الطبري: ٧/ ٤٢٧.
(١٢) أخرجه الطبري (٨٢٧٥): ص ٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(١٣) أخرجه الطبري (٨٢٧٦): ص ٧/ ٤٢٦.