ثم قال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} [آل عمران: ١٥٤]، أي عالم بجميع ما ينطوي عليه من الضمائر الطيبة والخبيثة، وخص الصدور دون القلب إذ هي أعم" (١).
الفوائد:
١ - أن النعاس قد يكون محمودا ويعدّ من النعم، لقوله: {أَمَنَةً نُعَاسًا}.
٢ - ذم من ظنّ بالله غير الحق، وأنه لا يظن أحد بالله ظنا غير الحق إلا وهو جاهل، لقوله: {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ}.
٣ - بيان أن الأمر كله لله، الأمر الشرعي والأمر الكوني، ليس لأحد مع الله امر.
٤ - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لايعلم الغيب، لقوله: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ}.
٥ - التنديد بمن يعترضون على القدر، لقوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}.
٦ - إثبات الحكمة في أفعال الله بقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ}.
٧ - أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور، لقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ}.
٨ - أن الله قد يبتلي عباده بما ينقي قلوبهم ويخلصها من الشوائب، لقوله: {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}.
٩ - إثبات علم الله بما في القلوب، لقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، عليه يجب الحذر من إضمار ما لايرضى به الله.
القرآن
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)} [آل عمران: ١٥٥]
التفسير:
إن الذين فرُّوا منكم -يا أصحاب صلى الله عليه وسلم- محمد عن القتال يوم التقى المؤمنون والمشركون في غزوة «أُحد»، إنما أوقعهم الشيطان في هذا الذنب ببعض ما عملوا من الذنوب، ولقد تجاوز الله عنهم فلم يعاقبهم. إن الله غفور للمذنبين التائبين، حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الطبري عن عكرمة: " نزلت في رافع بن المعلَّى وغيره من الأنصار، وأبي حُذيفة بن عتبة ورجل آخر" (٢).
والثاني: وروي عن عكرمة أيضا: "جاءت فاختة بنت غزوان امرأة عثمان بن عفان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يغسلان السلاح من الدماء، فقالت: ما فعل ابن عفان؟ أما والله لا تجدونه ألأم القوم. فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار (٣) اليوم. فقال: له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، وكان ممن ولى دبره يومئذ عثمان بن عفان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان (٤) -إخوان من الأنصار من بني زريق- حتى بلغوا الجلعب (٥)، فرجعوا بعد، فقالت: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد ذهبتم بها عريضة" (٦)، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} " (٧).
والثالث: وأخرج الطبري عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: "خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله: {إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان}، قال: لما
(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ٣/ ٩٣٨ - ٩٣٩.
(٢) تفسير الطبري (٨١٠٢): ص ٧/ ٣٢٩.
(٣) الذمار: ما يلزمك حفظه وحمايته. [انظر: القاموس: ٥٠٨].
(٤) وفي رواية ابن اسحاق: " فرّ عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان - رجلان من الأنصار - حتى بلغوا الجلْعَب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضةً! ! ". [أخرجه الطبري (٨١٠٣): ص ٧/ ٣٢٩].
(٥) جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص. [انظر: معجم البلدان لياقوت: ٢/ ١٥٤].
(٦) قوله: لقد ذهبتم فيها عريضة، أي واسعة. والضمير في قوله: فيها إلى الأرض، يقول: لقد اتسعت منادح الأرض في وجوهكم حين فررتم، فأبعدتم المذهب، يتعجب من فعلهم.
(٧) العجاب: ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣. وأخرجه الطبري (٨١٠٣): ص ٧/ ٣٢٩. ياختصار، وكذلك ابن المنذر في تفسيره (١٠٩٥): ص ٢/ ٧٧٣ - ٧٧٤.