وعن ابن جريج: " {والرسول يدعوكم في أخراكم} " أي عباد الله ارجعوا، أي عباد الله ارجعوا " (١).
قال الحسن: " قوله: {والرسول يدعوكم في أخراكم} أي عباد الله، أي عباد الله، ولا يلوي عليه أحد" (٢).
قال الماتريدي: " أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلي أنا الرسول.
وقيل: يناديكم من بعدكم: إلي أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه" (٣).
عن أبي عبيدة: " {أخراكم} " آخركم " (٤).
قال الزمخشري: " {في أخراكم}، في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة. يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أولهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى" (٥).
قوله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} [آل عمران: ١٥٣]، "أي: " فجازاكم الله بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوكم، ومعصيتكم ربكم غما على غم" (٦).
قال ابن إسحاق: " أي: كربا بعد كرب، قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم، وكان ذلك مما تتابع عليكم غما بغم" (٧).
قال ابن كثير: "أي: فجازاكم غَما على غَم" (٨).
قال الزجاج: " أي أثابكم بأن غممتم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نالكم غم - بما عوقبتم به للمخالفة وقال بعضهم {غما بغم} إشراف خالد بن الوليد عليهم بعد ما نالهم" (٩).
قال الزمخشري: " أى فجازاكم الله غما حين صرفكم عنهم وابتلاكم (ب) سبب (غم) أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له، أو غما مضاعفا، غما بعد غم، وغما متصلا بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر" (١٠).
وفي الغم الأول والثاني أقوال:
أحدها: أن الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي -صلى الله عليه وسلم -، وهذا قول قتادة (١١)، ومجاهد (١٢)، والربيع (١٣).
والثاني: غماً يوم أحد بغم يوم بدر، وهو قول الحسن (١٤).
والثالث: أن الغم الأول: ما فاتكم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني: إشراف العدو عليكم. قاله السدي (١٥).
والرابع: ويحتمل: {غما}: بعصيانهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له. أفاده الماتريدي (١٦).
(١) أخرجه ابن المنذر (١٠٧٤): ص ٢/ ٤٥١.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٤٤): ص ٣/ ٧٩٠.
(٣) تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٩.
(٤) أخرجه ابن المنذر (١٠٧٦): ص ٢/ ٤٥٢.
(٥) الكشاف: ١/ ٤٢٧.
(٦) تفسير الطبري: ٧/ ٣٠٣.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٥٠): ص ٣/ ٧٩١ - ٧٩٢.
(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٤٣.
(٩) معاني القرآن: ١/ ٤٧٩.
(١٠) الكشاف: ١/ ٤٢٧.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٨٠٥٩): ص ٧/ ٣٠٥.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨٠٦٠): ص ٧/ ٣٠٥.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٨٠٦٣): ص ٧/ ٣٠٥.
(١٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٤٣٠.
(١٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٣٤٩): ص ٣/ ٧٩١.
(١٦) انظر: تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٩. ثم ذكر وجوها أخرى: " وقيل: قوله - عز وجل -: (فأثابكم غما بغم): أي: مرة بعد المرة الأولى.
وقيل: (غما بغم)، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل إخوانهم، وإصابتهم الجراحات.
وقيل: (فأثابكم غما): بعصيانكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (بغم): الذي أدخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بترككم المركز والطاعة له، وفي قوله - عز وجل -: (فأثابكم غما بغم) وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم الذي أدخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عصيانهم إياه، وإهمالهم المقعد الذي أمرهم بالمقام فيه.
وقيل: غما بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم.
وقيل: غم الاعتذار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغم الذي جنوه به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم.
وقيل: غما على أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، وفي ذلك تحقيق الزلة والجزاء؛ وذلك كقوله - عز وجل -: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} ". [تفسير الماتريدي: ٢/ ٥٠٩].