أحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي نافع القرظي: "حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ قال: فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له: الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعوا وكما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني وألا أمرني أو كما قال عليه السلام، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} " (١).
والثاني: ونقل ابن حجر عن مقاتل أنها "نزلت ردًا على كردم بن قيس والأصبغ بن زيد" (٢).
قوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} [آل عمران: ٨٠]، " أي: وما كان له أن يأمركم بعبادة غير الله - ملائكة أو أنبياء" (٣).
قال ابن كثير: " أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مُقَرَّب" (٤).
وقرئ: {وَلا يَأْمُرُكُمْ}، برفع الراء، على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمرك (٥).
قوله تعالى: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ٨٠]، " أي: أيأمركم نبيكم بالكفر وجحود وحدانية الله، بعد أن أسلمتم ودخلتم في دين الله؟ " (٦).
قال الطبري: أي: " أيأمُركم أيها الناس، نبيُّكم، بجحود وحدانية الله بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة، متذللون له بالعبودة، أي أن ذلك غير كائن منه أبدًا" (٧).
قال ابن كثير: " أي: لا يَفْعَل ذلك؛ لأنَّ من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} الآية، [النحل: ٣٦] وقال تعالى {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: ٢٩] " (٨).
الفوائد:
١ - إثبات الملائكة، وأن الإيمان بهم احد أركان الإيمان الستة.
٢ - أن الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لايمكن ان يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، كما انه لايدعو الناس إلى عبادة نفسه.
٣ - أن السجود لله وحده، لما ورد أن الآية نزلت ردا على من أرادوا السجود لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-.
القرآن
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣٧٥٦): ص ٢/ ٦٩٣.
(٢) العجاب: ٢/ ٧٠٦، أخذ الحافظ هذا من مقاتل ولكن نصه: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧: " {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيّينَ أَرْبَابًا} -يعني عيسى والعزيز، ولو أمركم بذلك لكان كافرا فذلك قوله: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْر} يعني بعبادة الملائكة والنبيين: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يعني مخلصين له بالتوحيد. فقال الأصبغ بن زيد وكردم بن قيس: أيأمرنا بالكفر بعد الإيمان فأنزل الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} ".
والظاهر من هذا أن الآية (٨١) هي التي نزلت ترد على المذكورين لا الآية (٨٠). والله أعلم.
(٣) صفوة التفاسير: ١٩٤.
(٤) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٦.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٧.
(٦) صفوة التفاسير: ١٩٤.
(٧) تفسير الطبري: ٦/ ٥٤٩.
(٨) تفسير ابن كثير: ٢/ ٦٦.