قال الطبري: " وكان مكرهم الذي وصفهم الله به، مُواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقَتْله" (١).
قال ابن عباس: " يريد: أن عامة بني إسرائيل كفروا به، وهموا بقتله، وتواطئوا على الفتك به، فذلك مكرهم به" (٢).
قال الماتريدي: أي: " مكروا بنبي الله عيسى - عليه السلام - حيث كذبوه وهموا بقتله" (٣).
قال الواحدي: " أصل "المكر" في اللغة: السعي في الفساد في خفية، ومداجاة" (٤).
قال الزجاج: يقال: "مكر الليل، وأمكر": إذا أظلم" (٥).
قوله تعالى: {وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: ٥٤]، أي: " ومكر الله بهم فأهلكهم، ورفع عيسى إليه" (٦).
قال أبو عبيدة: يعني"أهلكهم الله" (٧).
قال السمرقندي: " أي جازاهم جزاء المكر" (٨).
قال الزمخشري: وذلك" أن رفع عيسى إلى السماء وألفى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل" (٩).
قال عبدالقاهر الجرجاني: أي: " صونه عيسى عن بأسهم وصرفه الشرّ إليهم في الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون، وإنما قيل: {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} لأن إيصال الشر ما يمدح وذلك إذا كان مع العدو من غير غدر وخيانة، فالله متصف به خير الماكرين" (١٠).
قال مقاتل: " وذلك أن كفار بني إسرائيل عمدوا إلى رجل فجعلوه رقيبا على عيسى ليقتلوه فجعل الله شبه عيسى على الرقيب فأخذوا الرقيب فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنه عيسى، ورفع الله- عز وجل- عيسى إلى سماء الدنيا من بيت المقدس، ليلة القدر في رمضان، فذلك قوله- سبحانه-: {ومكروا} بعيسى ليقتلوه يعني اليهود {ومكر الله} بهم حين قتل رقيبهم وصاحبهم" (١١).
قال السدي: " ثم إن بني إسرائيل حَصروا عيسى وتسعةَ عشر رجلا من الحواريِّين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟ فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: {ومكرُوا ومكر الله والله خير الماكرين}، فلما خرج الحواريون أبصرُوهم تسعةَ عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صُعد به إلى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدُونهم ينقصون رجلا من العِدّة، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يُرَوْن أنه عيسى وصَلبوه، فذلك قول الله عز وجل: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [سورة النساء: ١٥٧] " (١٢).
ونقل الثعلبي عن ابن عباس: "إنّ ملك بني إسرائيل أراد قتل عيسى، وقصده أعوانه. فدخل خوخة فيها كوّة، فرفعه جبرئيل من الكوّة إلى السماء. فقال الملك: لرجل منهم خبيث أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج إلى النّاس فخبرّهم أنّه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنّوا أنّه عيسى" (١٣).
(١) تفسير الطبري: ٦/ ٤٥٣.
(٢) نقله عنه الواحدي في التفسير البسيط: ٥/ ٢٩٨، وأورد معناه ابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٣٩٥، ولم اقف على مصدر القول.
(٣) تفسير الماتريدي: ٣/ ٣٨١.
(٤) التفسير البسيط: ٥/ ٢٩٨، وانظر: مادة: "مكر" في: كتاب العين: ٥/ ٣٧٠، وتهذيب اللغة: ٤/ ٣٤٣٤، واللسان: ٧/ ٤٢٤٧، والتاج: ٧/ ٤٩٣ - ٤٩٤، و"المداجاة": من: داجى الرجل: ساتره بالعداوة، وأخفاها عنه، فكأنه أتاه في الظلمة. والمداجاة: المداراة، و"داجيتة: داريته، وكأنك ساترته العداوة، انظر: اللسان، مادة: "دجا": ص ٣/ ١٣٣٢.
(٥) نقله عنه الواحدي والسمين الحلبي، انظر: التفسير البسيط: ٥/ ٢٩٨، والدر المصون: ٣/ ٢١٢، ولم أقف على مصدره.
(٦) تفسير ابن أبي زمنين: ١/ ٢٩٠.
(٧) أخرجه ابن المنذر (٥٢٥): ص ١/ ٢٢٠.
(٨) تفسير السمرقندي: ١/ ٢١٧.
(٩) الكشاف: ١/ ٣٦٦.
(١٠) درج الدرر في تفسير الآي والسور: ٢/ ٤٩٢.
(١١) تفسير مقاتل بن سليان: ١/ ٢٧٨.
(١٢) أخرجه الطبري (٧١٣٢): ص ٦/ ٤٥٤.
(١٣) تفسير الثعلبي: ٣/ ٧٩.