للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يتصدق عن أمه: «نعم» (١)؛ وأذن لسعد بن عبادة أن يتصدق بمخرافه عن أمه (٢)؛ وأما الدعاء للغير إذا كان المدعو له مسلماً فإنه ينتفع به بالنص، والإجماع؛ أما النص ففي الكتاب، والسنة؛ أما الكتاب ففي قوله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: ١٠]؛ وأما السنة ففي قوله (ص): «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه» (٣)، وكان (ص) إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل» (٤)؛ وأما الإجماع: فإن المسلمين كلهم يصلون على الأموات، ويقولون في الصلاة: «اللهم اغفر له، وارحمه»؛ فهم مجمعون على أنه ينتفع بذلك.

والخلاف في انتفاع الميت بالعمل الصالح من غيره فيما عدا ما جاءت به السنة معروف؛ وقد ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن أيّ قربة فعلها، وجعل ثوابها لميت مسلم قريب، أو بعيد نفعه ذلك؛ ومع هذا فالدعاء للميت أفضل من إهداء القرب إليه؛ لأنه الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٥)؛ ولم يذكر العمل مع أن الحديث في سياق العمل.

وأما ما استدل به المانعون من إهداء القرب من مثل قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: ٣] فإنه لا يدل على المنع؛ بل على أن سعي الإنسان ثابت له؛ وليس له من سعي غيره شيء إلا أن يجعل ذلك له؛ ونظير هذا أن تقول: «ليس لك إلا مالك»، فإنه لا يمنع أن يقبل ما تبرع به غيره من المال.

وأما الاقتصار على ما ورد فيقال: إن ما وردت قضايا أعيان؛ لو كانت أقوالاً من الرسول صلى الله عليه وسلم قلنا: نعم، نتقيد بها؛ لكنها قضايا أعيان: جاءوا يسألون قالوا: فعلت كذا، قال: نعم، يجزئ؛ وهذا مما يدل على أن العمل الصالح من الغير يصل إلى من أُهدي له؛ لأننا لا ندري لو جاء رجل وقال: يا رسول الله، صليت ركعتين لأمي، أو لأبي، أو لأخي أفيجزئ ذلك عنه، أو يصل إليه ثوابه لا ندري ماذا يكون الجواب؛ ونتوقع أن يكون الجواب: «نعم»؛ أما لو كانت هذه أقوال بأن قال: «من تصدق لأمه أو لأبيه فإنه ينفعه»، أو ما أشبه ذلك لقلنا: إن هذا قول، ونقتصر عليه.

٨ - ومن فوائد الآية: أن الصغير يكتب له الثواب؛ وذلك لعموم قوله تعالى: {ثم توفى كل نفس}.

فإن قال قائل: وهل يعاقب على السيئات؟

فالجواب: «لا»؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة ... »، وذكر منها: «الصغير حتى يحتلم» (٦)؛ ولأنه ليس له قصد تام لعدم رشده؛ فيشبه البالغ إذا أخطأ، أو نسي.


(١) أخرجه البخاري ص ٢٢٢، كتاب الوصايا، باب ١٩: ما يستحب لمن توفي فجاءة أن يتصدقوا عنه، حديث رقم ٢٧٦٠؛ وأخرجه مسلم ص ٨٣٦، كتاب الزكاة، باب ١٥: وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، حديث رقم ٢٣٢٦ [٥١] ١٠٠٤؛ واللفظ للبخاري.
(٢) أخرجه البخاري ص ٢٢١، كتاب الوصايا، باب ١٦: إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله، حديث رقم ٢٧٥٦.
(٣) أخرجه مسلم ٨٢٧، كتاب الجنائز، باب ١٩: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، حديث رقم ٢١٩٩ [٥٩] ٩٤٨.
(٤) أخرجه أبو داود ص ١٤٦٥، كتاب الجنائز، باب: ٦٧ الاستفغار عند القبر للميت، حديث رقم ٣٢٢١، وأخرجه الحاكم ١/ ٣٧٠، كتاب الجنائز، وقال: صحيح، وقال الذهبي: صحيح (المرجع السابق ١/ ٣٧١) وقال: عبد الله بن بحير ليس بالعمدة، ومنهم من يقويه، وهانئ روى عنه جماعة، وليس له ذكر في الكتب الستة (المرجع السابق)، وقال النسائي: ليس به بأس (ت التهذيب ٩/ ٢٣)، أخرج له أبو داود هذا الحديث، وأخرج الترمذي وابن ماجة حديثاً آخر: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى ... )، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٣٠٥: صحيح؛ وقال عبد القادر في تخريج جامع الأصول ١١/ ١٤٩، حديث رقم ٨٦٥٨ حاشية (١): ‘إسناده حسن.
(٥) أخرجه مسلم ص ٩٦٣، كتاب الوصية، باب ٣: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث رقم ٤٢٢٣ [١٥] ١٦٣١.
(٦) أخرجه أحمد ٦/ ١٠٠ – ١٠١: حديث رقم ٢٥٢٠١؛ وأخرجه أبو داود ص ١٥٤٤، كتاب الحدود، باب ١٧: في المجنون يسرق أو يصيب حداً، حديث رقم ٤٣٩٨؛ وأخرجه النسائي ص ٢٣١٢، كتاب الطلاق باب ٢١: من لا يقع طلاقه من الأزواج، حديث رقم ٣٤٦٢؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٥٩٩، كتاب الطلاق، باب ١٥: طلاق المعتوه والصغير والنائم، حديث رقم ٢٠٤١، وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٢٥، كتاب الحدود، باب ١: رفع القلم عن ثلاثة، حديث رقم ٢٢٩٦، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٩، كتاب البيوع، وقال: صحيح على شرط مسلم؛ وأقره الذهبي، ومدار الحديث على حماد بن أبي سليمان: اختلفوا فيه؛ وقال الذهبي: وثقه ابن معين وغيره (الميزان ١/ ٥٩٥)؛ فهو حسن الحديث (تحرير التقريب ١/ ٣١٩)، وقال الألباني في صحيح أبي داود ٣/ ٥٥: صحيح، وقال عبد القادر في تخريج جامع الأصول ٣/ ٦١١، حاشية (٣): إسناده حسن.

<<  <  ج: ص:  >  >>