للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قاله ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، والضحاك (٦)، والسدي (٧)، وابن يد (٨)، وابن مسعود (٩)، والحسن (١٠)، وعكرمة (١١)، ومقاتل (١٢)، واختاره الطبري (١٣).

ويتأكد هذا القول بما روي في قصة الإسراء عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا" (١٤).

والثالث: أنه مأخوذ من قوله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: ٢٠١] وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهذا هو المراد من مس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطا، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى، فحدثت هناك حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان وآكل الربا لا شك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا فيها، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجابا بينه وبين الله تعالى، فالخبط الذي كان حاصلا في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة، وأوقعه في ذلك الحجاب، وهذا التأويل أقرب عندي من الوجهين اللذين نقلناهما عمن نقلنا.

الرابع: إنهم لا يقومون عند التعامل بالربا إلا كما يقوم المصروع؛ لأنهم - والعياذ بالله - لشدة شغفهم بالربا كأنما يتصرفون تصرف المتخبط الذي لا يشعر؛ لأنهم سكارى بمحبة الربا، وسكارى بما يربحونه - وهم الخاسرون؛ فيكون القيام هنا في الدنيا؛ شبَّه تصرفاتهم العشوائية الجنونية المبنية على الربا العظيم - الذي يتضخم المال من أجل الربا - بالإنسان المصروع الذي لا يعرف كيف يتصرف؛ وهذا قول كثير من المتأخرين؛ وقالوا: إن يوم القيامة هنا ليس له ذكر؛ ولكن الله شبَّه حالهم حين طلبهم الربا بحال المصروع من سوء التصرف؛ وكلما كان الإنسان أشد فقراً كانوا له أشد ظلماً؛ فيكثرون عليه الظلم لفقره؛ بينما حاله تقتضي الرأفة، والتخفيف؛ لكن هؤلاء ظلمة ليس همهم إلا أكل أموال الناس.

والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، يعني: أن آكلي الربا "لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ يعني: كالمصروع الذي يتخبطه الشيطان؛ و «التخبط» هو الضرب العشوائي؛ فالشيطان يتسلّط على ابن آدم تسلطاً عشوائياً، فيصرعه؛ فيقوم هؤلاء من قبورهم يوم القيامة كقيام


(١) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٠)، (٦٢٤١): ص ٦/ ٩. فيه: ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، قال النسائي: " ليس به بأس "، وقال في الضعفاء: " ليس بالقوي "، وقال أحمد وابن معين: " ثقة، ونقل عنه ابن أبي حاتم دون ذكر السند، أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٤٤.
(٢) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٢): ص ٦/ ٩. ... فيه: ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، أنظر الهامش السابق. وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده الصحيح (٢٨٨٨): ص ٢/ ٥٤٤.
(٣) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٣٨)، و (٦٢٣٩): ص ٦/ ٨ - ٩.
(٤) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٣)، و (٦٢٤٤): ص ٦/ ٩ - ١٠.
(٥) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٥): ص ٦/ ١٠.
(٦) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٦): ص ٦/ ١٠.
(٧) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٧): ص ٦/ ١٠.
(٨) أنظر: تفسير الطبري (٦٢٤٨): ص ٦/ ١٠.
(٩) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٨٧): ص ٢/ ٥٤٤.
(١٠) نقلا عن: النكت والعيون: ١/ ٣٤٩.
(١١) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٤٤.
(١٢) أنظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٥٤٤.
(١٣) أنظر: تفسيره: ٦/ ٨.
(١٤) رواه الإمام أحمد في مسنده: (٢/ ٣٥٣)، وابن ماجة في سننه برقم (٢٢٧٣)، عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، به. وفي إسناده ضعف. قال المنذري: علي بن زيد هو ابن جدعان، فيه كلام كثير في تضعيفه.

<<  <  ج: ص:  >  >>