للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن كثير: "لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والآنات - شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم" (١).

قوله تعالى: {الذين يَأْكُلُونَ الربا} [البقرة: ٢٧٥]، "أي: الذين يتعاملون بالربا" (٢).

قال سعيد بن جبير: " يعني: استحلاله لأكله" (٣).

قال الطبري: أي" الذين يُرْبون" (٤).

قال ابن عثيمين: أي الذين يأخذون الربا فينتفعون به بأكل، أو شرب، أو لباس، أو سكن، أو غير ذلك؛ لكنه ذكر الأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، وأكثرها إلحاحاً" (٥).

قال القرطبي: " يأكلون" يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ إنما يراد للأكل" (٦).

و(الربا) في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [فصلت: ٣٩] أي: اهتزت بأشجارها وعشبها، وربت أي: زادت، وليس المراد الأرض نفسها، بل المراد ما ينبت فيها؛ وفي الشرع: زيادة في شيئين منع الشارع من التفاضل بينهما (٧).

قال مجاهد: " كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدّينُ فيقول: لك كذا وكذا وتؤخِّر عني! فيؤخَّر عنه" (٨).

وقال قتادة: " أن ربا أهل الجاهلية: يبيعُ الرجل البيع إلى أجل مسمًّى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه" (٩).


(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٧٠٩.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٥٨.
(٣) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٨٨٦): ص ٢/ ٥٤٤.
(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٦٠٢.
(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٧٤.
(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٤٨.
(٧) أنظر: الشرح الممتععلى زاد المستنقع: ٨/ ٣٩٢.
والربا من كبائر الذنوب، وهو محرم في جميع الأديان السماوية؛ لما فيه من عظيم الأضرار، وكثير الأخطار.
١ - قال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: ٢٧٥].
٢ - وقال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٣٠)} [آل عمران: ١٣٠].
٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». [متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٧٦٦) , واللفظ له، ومسلم برقم (٨٩)].
٤ - وأخرج ابن ابي حاتم بسنده عن الربيع بن أنس قال: " نهى الله عز وجل عن الربا كأشد النهي، وتقدم فيه: فاتقوا الربا والريبة. وكان يقول: الربا من الكبائر". [تفسير ابن ابي حاتم: (٢٨٩٣): ص ٢/ ٥٤٥].
والربا المحرم في الإسلام نوعان:
الأول: ربا النسيئة: وهو أصل الربا، ولم تكن العرب في الجاهلية تعرف سواه، وهو الذي كانوا يأخذونه بسبب تأخير قضاء دين مستحق إلى أجل جديد، وقد ثبت تحريمه بالقرآن والسنة.
وهو الذي حذرهم الله منه بقوله سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (١٣٠)} [آل عمران: ١٣٠].
الثاني: ربا البيوع: ويسمى ربا الفضل، وقد حرم سدا للذرائع؛ لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة، لاشتماله على زيادة بدون عوض.
وهو بيع النقود بالنقود مع الزيادة، أو الطعام بالطعام مع الزيادة، وقد ثبت تحريمه بالسنة.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق، إلا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء». [متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢١٧٦) , ومسلم برقم (١٥٨٤) , واللفظ له]. [أنظر: موسوعة الفقه الإسلامي، محمد التويجري: ٣/ ٤٧٢].
(٨) أخرجه الطبري (٦٢٣٥)، و (٦٢٣٦): ص ٦/ ٨.
(٩) أخرجه الطبري (٦٢٣٧): ص ٦/ ٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>