أحدها: أن {مِنْ} زائدة تقديرها: ويكفر عنكم سيئاتكم. قاله بعض نحويي البصرة (١)، قال ابن عطية: " وذلك منهم خطأ" (٢).
والثاني: وقيل: أنها تبعيضية، أي: "نكفر الصفائر من الذنوب (٣)، " لأن الصدقات لا يكفر بها جميع السيئات" (٤)، قال الماوردي: "إنما يكفر بالطاعة من غير التوبة، الصغائر" (٥).
والثالث: وقيل: أنها سببية، والتقدير: من أجل ذنوبكم (٦). قال أبو حيان وهذا "ضعيف" (٧).
وذكروا في (تكفير السيئات) وجهين (٨):
أحدهما: يسترها عليهم.
والثاني: يغفرها
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} [البقرة: ٢٧١]، على وجوه (٩):
أحدها: روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: {وتكفر عنكم}، بالتاء، وكان يقول: " الصدقة هي التي تكفر" (١٠).
والثاني: وقرأ ابن عامر: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ} بالياء والرفع، وكذلك حفص عن عاصم (١١).
بمعنى: ويكفر الله عنكم بصدقاتكم، على ما ذكر في الآية من سيئاتكم.
والثالث: قرأ نافع وحمزة والكسائي {ونكفر}، بالنون وجزم الراء.
يعني: "وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم بمعنى: مجازاة الله عز وجل مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها" (١٢).
قال أبو علي: " وأمّا من جزم فقال: {ونكفرْ عنكم}، فإنّه حمل الكلام على موضع قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، لأنّ قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم} ْ في موضع جزم، ألّا ترى أنّه لو قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم، لجزم.
فقد علمت أنّ قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} في موضع جزم فحمل قوله: ويكفر على الموضع، ومثل هذا في الحمل على الموضع أن سيبويه زعم أن بعض القراء قرأ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ [الأعراف: ١٨٦] (١٣) لأنّ قوله: {فَلا هادِيَ لَهُ}: في أنّه في موضع جزم مثل قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم} ْ.
ومثله في الحمل على الموضع، قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: ١٠]، حمل قوله {وَأَكُنْ} على موضع قوله: {فَأَصَّدَّقَ}، لأنّ هذا موضع فعل مجزوم، لو قال: (أخّرني إلى أجل قريب أصّدق)، لجزم، فإذا ثبت أنّ قوله: فأصّدق في موضع فعل مجزوم حمل قوله: أَكُنْ عليه، ومثل ذلك قوله الشاعر (١٤):
(١) أنظر: تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٦.
(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٧، وروح المعاني: ٢/ ٤٣ - ٤٤.
(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٣٦.
(٤) روح المعاني: ٢/ ٤٣.
(٥) النكت والعيون: ١/ ٣٤٥.
(٦) أنظر: تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٦.
(٧) تفسير البحر المحيط: ٢/ ٢٤٦.
(٨) أنظر: النكت والعيون: ١/ ٣٤٥.
(٩) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠، وتفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤ - ٥٨٥.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٥١): ص ٢/ ٥٣٧.
(١١) أنظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٤٠٠.
(١٢) تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤.
(١٣) أنظر: الكتاب: ١/ ٤٤٨.
(١٤) البيت في شرح أبيات المغني ٦/ ٢٩٦ نقلا عن الحجة وفي تهذيب اللغة للأزهري ١٥/ ٦٥٣ وفيه: «أيّا فعلت» مكان «أنّى سلكت».