للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومِن أعظم ما ينتفع به المؤمنون الإنفاقُ في سبيل الله. ومثل المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة زُرِعتْ في أرض طيبة، فإذا بها قد أخرجت ساقًا تشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة، في كل سنبلة مائة حبة. والله يضاعف الأجر لمن يشاء، بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام. وفضل الله واسع، وهو سبحانه عليم بمن يستحقه، مطلع على نيات عباده.

قال القرطبي: " لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين، حث على الجهاد، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم، روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال: "لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب زد أمتي" فنزلت {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: ٢٤٥] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رب زد أمتي" فنزلت {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ١٠] " (١)، وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك" (٢).

قال ابن عطية: " هذه الآية لفظها بيان مثل بشرف النفقة في سبيل الله وبحسنها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآية في نفقة التطوع" (٣).

واختلف في سبب نزول الآية على أقوال (٤):

الأول: روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبدالرحمن بأربعة آلاف فقال: "يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت" (٥)، وقال عثمان: "يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية فيهما" (٦).

الثاني: وقيل: نزلت في نفقة التطوع (٧).

الثالث: وقيل: نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة (٨).

قال القرطبي: " ولا حاجة إلى دعوى النسخ، لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت. وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا" (٩).


(١) صحيح ابن حبان برقم (١٦٤٨) "موارده".
(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٣) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٥.
(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٥٠٨): ص ٦/ ١٨٥١. ومسند البزار برقم (٢٢١٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٢): "وفيه عمرو بن أبي سلمة، وثقه العجلي، وأبو خيثمة وابن حبان وضعفه شعبة وغيره، وبقية رجالهما ثقات".
(٦) أسباب النزول للواحدي: ٨٧. وذكره البغوي في تفسيره: ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. ونسبه للكلبي، والعجاب فيس بيان الأسباب: ١/ ٦٢١.
وانظر عن هذا التجهيز "الفتح" "٥/ ٤٠٨ و ٧/ ٥٤"، والأقتاب جمع قتب وهو كما في "القاموس" "ص ١٥٧": "الأكاف الصغير على قدر سنام البعير" والأحلاس جمع حِلْس وهو كما في "القاموس" أيضًا "ص ٦٩٤": "كساء على ظهر البعير تحت البرذعة".
وقال البخاري في "صحيحه"، كتاب "الوصايا"، باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا ... " وقال عبدان: أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن أن عثمان رضي الله عنه حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حفر رومة فله الجنة"، فحفرته ألستم تعلمون أنه قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة"، فجهزته قال: فصدقوه بما قال" "الفتح" "٥/ ٤٠٦ - ٤٠٨" وذكره دون سند في كتاب "فضائل الصحابة" مناقب عثمان "الفتح" "٧/ ٥٢" وهل حفر عثمان رومة أم اشتراها؟ خلاف ويمكن الجمع انظر "الفتح" "٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨".
(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٣٥٥.
(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.
(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>