قال أبو علي:" قال: أَعْلَمُ على لفظ الأمر، فالمعنى: يؤول إلى الخبر، وذاك أنّه لما تبيّن له ما تبيّن من الوجه الذي ليس لشبهة عليه منه طريق، نزّل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب سواها فقال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا مما تفعله العرب، ينزّل أحدهم نفسه منزلة الأجنبيّ فيخاطبها كما تخاطبه قال (١):
تذكّر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل
فجعل عزمه على وروده الشرب له لجهد العطش، وعلى تركه الورود مرة لخوف الرامي وترصّد القانص نفسين له.
ومن ذلك قول الأعشى (٢):
أرمي بها البيد إذا هجّرت ... وأنت بين القرو والعاصر
فقال: أنت، وهو يريد نفسه، فنزّل نفسه منزلة سواه في مخاطبته لها مخاطبة الأجنبيّ.
لأودّع، وعلى هذا قال: أيّها الرجل، وهو يعني نفسه. وقال (٤):
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداً
فكذلك قوله لنفسه {أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة: ٢٥٩]، نزّله منزلة الأجنبيّ المنفصل منه، لتنبهه على ما تبيّن له ممّا كان أشكل عليه.
قال أبو الحسن (٥): وهو أجود في المعنى" (٦)(٧).
(١) البيت للكميت بن زيد أنشده صاحب التاج في (أبل) ونسبه للكميت، وكذلك اللسان (أبل) بلفظة (شربه) بضم الشين وذكره الطبري في تفسيره ٢/ ٣٩٨. وفي القرطبي ٣/ ٢٩٧ عند تفسير قوله تعالى: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال ابن عطية: وتأنس أبو عليّ في هذا المعنى بقول الشاعر: وأورد البيت .... يؤامر نفسه: يشاورها. والهجمة: عدد من الإبل قريب من المائة. والإبل بكسر الباء: اسم فاعل من أبل كفرح: إذا أحسن رعية الإبل، والقيام عليها. (٢) البيت في اللسان (قرا) للأعشى وفيه: «إذ أعرضت» بدل «إذا هجّرت». وليس في ديوان الأعشى. وهو أشبه بقصيدته التي يهجو فيها علقمة بن علاثة ويذكر في آخرها ناقته. انظر ديوانه ص ١٤٧ والقرو: مسيل المعصرة ومثعبها. (٣) ديوانه: ٥٥. (٤) صدر بيت للأعشى عجزه: وعادك ما عاد السليم المسهّدا والسليم يطلق على اللديغ تفاؤلًا، وهو مطلع قصيدة للأعشى يمدح بها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم. انظر ديوانه/ ١٣٥. واستشهد به القرطبي مع سابقه في تفسيره ٣/ ٢٩٧ عن أبي علي للمعنى الذي ذكره أبو علي هنا. (٥) هو علي بن سليمان الأخفش الأصغر، أبو الحسن، شيخ أبي علي الفارسي، ذكره ابن العديم ممن أخذ عنهم الفارسي. توفي في بغداد (٣١٥ هـ) انظر بغية الوعاة ٢/ ١٦٧، ومجلة المجمع ٤/ ٧٤٣ سنة ١٩٨٣ م. (٦) الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤. (٧) قلت: إن هذه الظاهرة التي تحدث عنها أبو علي، تسمى بـ (التجريد)، وكان أبو علي الفارسي وابن جني من أوائل من تعرض لهذه الظاهرة، فقال ابن جني"اعلم ان هذا الفصل من فصول العربية طريف ورأيت أبا علي-رحمه الله- به غريا معنيا ... ومعناه ان العرب قد تعتقد ان في الشيء من نفسه معنى آخر كأنه حقيقته ومحصوله، وقد يجري ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها. وذلك مثل قولهم: لئن لقيت زيدا لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر ... وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه، حتى كأنها تقابله أو تخاطبه". [الخصائص: ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤]. وقسمه ابن الأثير على قسمين [انظر: المثل السائر: ٢/ ١٥٩ - ١٦٣]: الأول/ التجريد المحض: وهو أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك، أي ان الخطاب موجه لغير الشاعر لكنه يريد به نفسه، "إذ تنشطر ذات الشاعر إلى شطرين، شطر مخاطب وشطر مخاطب، فيقيم الشاعر حوارا داخليا لكنه حوار قاس، وان هذا الأسلوب يغدو شكل من أشكال مواجهة الذات وحوارها ولومه. الثاني/ التجريد غير المحض: فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك." وهو شكل من أشكال الحوار إذ لا يكون فيه الحضور للضمائر، وإنما يكون للنفس الذي تشكل مصدرا لإحساس الإنسان وهواجسه وانفعالاته، فالشاعر يخاطب مكمن الشعور والإحساس. والتجريد شكل من أشكال الحوار الذي يريد الإنسان من خلاله أن يبرز مشاعره، وله خصوصيته في الإيحاء، ومن كونه شكلا بلاغيا مرتبطا بهدف ما، وذلك من خلال السياق الذي ورد فيه. لمزيد من المعلومات انظر: [الطراز: ٣/ ٧٣ - ٧٤، التلخيص في علوم البلاغة: ٢٦٨، نهاية الإرب في فنون الأدب: ٧/ ١٥٦، الفوائد: ٢٣٠/ ٢٣٣، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها: ٢/ ٤٠ - ٤٧].