قال الطبري:" قال بعضهم: كان قيله ما قال من ذلك شكًّا في قدرة الله على إحيائه، فأراه الله قُدرته على ذلك يضربه المثلَ له في نفسه، ثم أراه الموضع الذي أنكر قُدرته على عمارته وإحيائه، أحيا ما رآه قبل خرابه، وأعمرَ ما كان قبل خرابه"(١).
واعترض ابن عطية على القول الذي نقله الطبري قائلا:" وليس يدخل شك في قدرة الله على إحياء قرية بجلب العمرة إليها، وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر، والصواب أن لا يتأول في الآية شك"(٢).
وفي سبب قيله:{أَنَّى يَحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}[البقرة: ٢٥٩] روي عن السدي: "أن عُزَيْرًا مرّ جائيًا من الشام على حمار له معه عصيرٌ وعنب وتين; فلما مرّ بالقرية فرآها، وقف عليها وقلَّب يده وقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ليس تكذيبًا منه وشكًّا فأماته الله وأمات حِمارَه فهلكا، ومرّ عليهما مائة سنة. ثم إن الله أحيا عزيرًا فقال له: كم لبثت؟ قال: لبثت يومًا أو بعض يوم! قيل له: بل لبثت مائة عام! فانظر إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير (لم يتسنَّه)، الآية"(٣). وروي عن وهب (٤)، نحو ذلك.
قوله تعالى:{فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ}[البقرة: ٢٥٩]، "أي أمات الله ذلك السائل، واستمر ميتاً مائة سنة"(٥).
قال ابن عثيمين:"أي قبض روحه"(٦)(٧).
قال المراغي: أي فجعله الله فاقد الحسّ والحركة دون أن تفارق الروح البدن، ثم أعاده إلى ما كان عليه أوّلا" (٨).
قال ابن عطية: " وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد" (٩).
قال أسباط: " فأماته الله وأمات حماره وهلكا، ومر عليهما مائة سنة" (١٠).
وقال الحسن: " هذا رجل من بني إسرائيل مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ قال: فعاقبه الله بقوله ذلك: فأماته الله مائة عام (١١) وحماره صافن إلى جنبه، لا يطعم ولا يسقى حتى أتى عليه مائة عام طعامه وشرابه إلى جنبه، فذلك مائة عام" (١٢).
(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧. (٢) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٨. (٣) أخرجه الطبري (٥٩١٣): ص ٥/ ٤٥٦. (٤) أخرجه الطبري (٥٩١٠): ص ٥/ ٤٤٧ - ٤٥٣ و (٥٩١١): ٤٥٣ - ٤٥٥، و (٥٩١٢): ص ٤٥٥ - ٤٥٦. (٥) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٩. (٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٩. (٧) و"قوله تعالى {مائة} فيها ألف بين الميم، والهمزة؛ والميم مكسورة، والألف عليها دائرة إشارة إلى أن الألف هذه تكتب، ولا ينطق بها؛ وبهذا نعرف خطأ من ينطقون بها: «مَائة» بميم مفتوحة؛ ومن قرأ بها في القرآن فقد لحن لحناً يجب عليه أن يعدله؛ وبعض الكتاب المعاصرين يكتبها بدون ألف كـ «فِئة» يعني: ميم، وهمزة، وتاء؛ وهذا أحسن إلا في رسم المصحف؛ فيتبع الرسم العثماني؛ وإلا إذا أضيف إليها عدد كـ «ثلاثمائة» و «أربعمائة»؛ فتكتب الألف، ولا ينطق بها" [تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٩]. (٨) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٠. قال: " {وأماته}: أي جعله فاقدا للحس والحركة والإدراك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتا مثل ما حدث لأهل الكهف، والبعث: الإرسال من بعثت الناقة إذا أطلقتها من مكانها، وعبر بالبعث دون الإحياء إيذانا بأنه عاد كما كان أوّلا حيا عاقلا مستعدا للنظر والاستدلال، وقد دلت تجارب الأطباء في العصر الحديث على أن من الناس من يبقى حيا زمنا طويلا لكنه يكون فاقد الحسّ والشعور، وهو المسمى لديهم بالسبات وهو النوم المستغرق ويستعمله أهل الرياضيات في الهند، فقد شوهد شاب قد نام نحو شهر ثم أصيب بدخل في عقله، وآخرون ناموا أكثر من ذلك، ومتى ثبت هذا فالذى يحفظ الأجسام مثل هذه المدة قادر أن يحفظها مائة سنة وثلاثمائة سنة، فهذا من الممكنات لا من المستحيلات وقد تواتر به النص فيجب التسليم به، والتجارب التي عملت تقرب بيان إمكانه من أذهان الذين يعسر عليهم أن يميزوا بين ما هو مستبعد لعدم إلفه في مجرى العادة، وما هو محال لا يقبل الثبوت لذاته، ولم يتسنه: أي لم يتغير ولم يفسد، من قولهم تسنه الشيء مرت عليه السنون والأعوام، وآية: علامة دالة على قدرة الله، وننشزها: أي نرفعها من الأرض ونردها إلى أماكنها من الجسد". [تفسير المراغي: ١/ ٤٩٩]. (٩) المحرر الوجيز: ١/ ٣٤٨. (١٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٦٥٠): ص ٢/ ٥٠١. (١١) قال الراغب: " والعام: مدة تعوم الشمس في أفلاكها المختصة بها، وذلك اعتبارا بنحو ما قال- عز وجل- {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} والاعتيام اختيار الشيء، وأصله أن يسير الإنسان كسابح فيه يتناول ما يريد، ولهذا قال الشاعر: وكنت في نعمائه سابحاً ". [تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٤٠]. (١٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٦٥١): ص ٢/ ٥٠١.