١٦ - ومنها: الإشارة إلى أن محاجة هذا الرجل محاجة بباطل؛ لقوله تعالى: {الذي كفر}؛ لأن الذين كفروا هم الذين يحاجون حجة باطلة؛ قال الله تعالى: {ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق} [الكهف: ٥].
١٧ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين}؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان حرّ: يهتدي بنفسه، ويضل بنفسه؛ وهذه الآية واضحة في أن الهداية بيد الله.
١٨ - ومنها: التحذير من الظلم؛ لقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين}؛ ومن الظلم أن يتبين لك الحق فتجادل لنصرة قولك؛ لأن العدل أن تنصاع للحق، وألا تكابر عند وضوحه؛ ولهذا ضل من ضل من أهل الكلام؛ لأنه تبين لهم الحق؛ ولكن جادلوا؛ فبقوا على ما هم عليه من ضلال.
١٩ - ومنها: أن الله لا يمنع فضله عن أحد إلا إذا كان هذا الممنوع هو السبب؛ لقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين}؛ فلظلمهم لم يهدهم الله؛ وهذا كقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: ٥].
٢٠ - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أظلم كان عن الهداية أبعد؛ لأن الله علق نفي الهداية بالظلم؛ وتعليق الحكم بالظلم يدل على عليته؛ وكلما قويت العلة قوي الحكم المعلق عليه.
٢١ - ومنها: أن من أخذ بالعدل كان حرياً بالهداية؛ لمفهوم المخالفة في قوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين}؛ فإذا كان الظالم لا يهديه الله، فصاحب العدل حري بأن يهديه الله عز وجل؛ فإن الإنسان الذي يريد الحق ويتبع الحق - والحق هو العدل - غالباً يُهدى، ويوفّق للهداية؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية عبارة من أحسن العبارات؛ قال: «من تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق»؛ وهذه كلمة مأخوذة من القرآن منطوقاً، ومفهوماً.
القرآن
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: ٢٥٩]
التفسير:
أو هل رأيت -أيها الرسول- مثل الذي مرَّ على قرية قد تهدَّمت دورها، وخَوَتْ على عروشها، فقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام، ثم ردَّ إليه روحه، وقال له: كم قدر الزمان الذي لبثت ميتًا؟ قال: بقيت يومًا أو بعض يوم، فأخبره بأنه بقي ميتًا مائة عام، وأمره أن ينظر إلى طعامه وشرابه، وكيف حفظهما الله من التغيُّر هذه المدة الطويلة، وأمره أن ينظر إلى حماره كيف أحياه الله بعد أن كان عظامًا متفرقة؟ وقال له: ولنجعلك آية للناس، أي: دلالة ظاهرة على قدرة الله على البعث بعد الموت، وأمره أن ينظر إلى العظام كيف يرفع الله بعضها على بعض، ويصل بعضها ببعض، ثم يكسوها بعد الالتئام لحمًا، ثم يعيد فيها الحياة؟ فلما اتضح له ذلك عِيانًا اعترف بعظمة الله، وأنه على كل شيء قدير، وصار آية للناس.
قال القاسمي: هذه الآية " استشهاد على ما ذكر تعالى من ولايته للمؤمنين وتقرير له، معطوف على الموصول السابق" (١).
قال المراغي: " وقد أبهم الله القرية فلم يذكر مكانها ولا المارّ عليها، بل اقتصر على موضع العبرة، وما به تقوم الحجة ولم يعن بما فوق ذلك حتى لا يشغل القارئ أو السامع به" (٢).
قوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} [البقرة: ٢٥٩]، " أي: أرأيت مثل الذي مرّ على قرية" (٣).
(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٩٧.
(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٩.
(٣) تفسير المراغي: ١/ ٥٠٠. و {القرية}، مأخوذة من القَرْي؛ وهي الجمع؛ وتطلق على الناس المجتمعين في البلد؛ وتطلق على البلد نفسها - حسب السياق - فمثلاً في قوله تعالى: {قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية} [العنكبوت: ٣١] المراد بـ {القرية} هنا المساكن؛ لأنه تعالى قال: {أهل هذه القرية}؛ وأما في قوله تعالى: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة} فالمراد بـ «القرية» هنا أهلها؛ والدليل قوله تعالى: {أهلكناها}، وقوله تعالى: {وهي ظالمة}: وهذا لا يوصف به البلد، فتبين أن القرية يراد بها أحياناً البلد التي هي محل مجتمع الناس؛ ويراد بها القوم المجتمعون - على حسب السياق؛ وكما قال أولاد يعقوب لأبيهم: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} [يوسف: ٨٢]: فالمراد بـ {القرية} هنا أهلها؛ والدليل قوله تعالى: {واسأل القرية}؛ لأن السؤال لا يمكن أن يوجه إلى القرية التي هي البناء؛ وإذا كانت «القرية» تطلق على أهل القرية بنص القرآن فلا حاجة إلى أن نقول: هذا مجاز أصله: واسأل أهل القرية؛ لأنا رأينا في القرآن الكريم أن «القرية» يراد بها الساكنون. [انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٨].