للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الشوكاني: " فكان هذا جوابا أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم لأنه أراد غير ما أراده الكافر فلو قال له ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول وهلة ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسا لخناقه وإرسالا لعنان المناظرة" (١).

قال المراغي: " أي أنا أحيى من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه، وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله، وهذا الإنكار من ذلك الملك الجبار يدل على أنه لم يفهم قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فإن الحياة في جوابه بمعنى إنشاء الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها، وإزالة الحياة بالموت - وفي جواب نمروذ بمعنى أنه يكون سببا في الإحياء والإماتة" (٢).

وقوله تعالى: {أَنَا أُحْيي وَأُمِيتُ} [البقرة: ٢٥٨]، فيه وجهان:

الأول: أنه قال ذلك تلبيسا، فقال أكثر المفسرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء له، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، لا عجزا، فإن حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول: فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى (٣).

روي ذلك عن قتادة (٤)، ومجاهد (٥)، وزيد بن أسلم (٦)، والربيع (٧)، والسدي (٨)، وابن جريج (٩)، ومحمد بن إسحاق (١٠).

قال ابن عثيمين: " والحقيقة أنه ما أحيا، ولا أمات هنا؛ وإنما فعل ما يكون به الموت في دعوى الإماتة؛ واستبقى ما كان حياً في دعواه الإحياء؛ فلم يوجِد حياة من عنده" (١١).

الثاني: وقيل: بل قال ذلك مكابرة؛ يعني: "هو يعلم أنه لا يحيي، ولا يميت؛ كأنه يقول لإبراهيم: إذا كان ربك يحيي ويميت فأنا أحيي، وأميت؛ ثم إن إبراهيم عليه السلام انتقل إلى أمر لا يمكن الجدال فيه، فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: ٢٥٨] " (١٢).

قال ابن كثير ردا على القول الأول: " والظاهر - والله أعلم - أنه ما أراد هذا (١٣)؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} " (١٤).

قرأ جمهور القراء {أنا أحيي}، بطرح (الألف) التي بعد (النون) من: {أنا} في الوصل، إذا تلتها ألف مفتوحة أو مضمومة، وأثبتها نافع وابن أبي أويس، كما في قول الأعشى (١٥):


(١) فتح القدير: ١/ ٢٧٧.
(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٩٧.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٤٣٢، وتفسير البغوي: ١/ ٣١٦.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٣): ص ٥/ ٤٣٣.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٤) (٥٨: ص ٥/ ٤٣٤.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٥) و (٥٨٧٦): ص ٥/ ٤٣٣ - ٤٣٥.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٧): ص ٥/ ٤٣٥.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٨): ص ٥/ ٤٣٦.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٥٨٧٩): ص ٥/ ٤٣٦.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٥٨٨٠): ص ٥/ ٤٣٦.
(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٠.
(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨٠.
(١٣) أي: لم يقلها تلبيسا.
(١٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦.
(١٥) ديوانه ٥٣. وروايته فيه:
فما أنا أم ما انتحالي القوا ... ف بعد المشيب كفى ذاك عاراً
وذكره أبو حيان في البحر ٢/ ٢٨٨، وأورده المبرد شاهداً على إثبات ألف أنا في الوصل ضرورة ثم قال: والرواية الجيدة: فكيف يكون انتحال القوافي بعد .... (الكامل ١/ ٣٨٤).
والمعنى: ينفي عن نفسه ما اتهم به عند الممدوح من أنه يسطو على شعر غيره وينتحله لنفسه.

<<  <  ج: ص:  >  >>