وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:" فلا يصح كفر المكره بغير حق، ولا إيمان المكره بغير حق؛ كالذمي الموفى بذمته، كما قال تعالى فيه {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} بخلاف المكره بحق، كالمقاتلين من أهل الحرب، حتى يسلموا إن كان قتالهم إلى الإسلام، أو إعطاء الجزية، إن كان القتال على أحدهما"(١).
وهذا القول الثاني اختاره الطبري وصوَّبه، وحمل عليه معنى الآية، فقال:"وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآية في خاصِّ من الناس"، ثم قال:"عنى بقوله تعالى ذكره: {لا إكراه في الدين} أهل الكتابين والمجوس، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا"(٢).
والناظر في كتب التفسير المتقدمة عمومًا، يجد أن المفسرين لم يخرجوا عن هذين القولين، في الأغلب، ورجَّح أكثرهم القول بأن آية البقرة خاصة بأهل الكتاب ومن شاكلهم، وإن كان ثمة من ملاحظة نبديها على هذا المسلك، فهي أن نقول: إن القول بالتخصيص هنا لا يرفع التعارض الواقع بين الآيات موضوع الحديث، ناهيك على أن القاعدة التفسيرية تقرر: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وبذلك فالذي يقتضيه النظر بين الأدلة، وما تقتضيه قواعد الأصول، أن نقول: إن إمكانية الجمع هنا ممكنة، وبالتالي فلا وجه للقول بالنسخ هنا، والأصوب أن يقال: يُعمل بهاتين الآيتين، كل في موضعه، وكل بحسب ظرفه؛ فآية البقرة:{لا إكراه في الدين}، يُعمل بها على مستوى الأفراد، فلا يُكره أحدٌ على اعتناق الإسلام والدخول فيه، أما آيات الجهاد والقتال، فيُعمل بها عندما يُواجَه هذا الدين من قِبَل أعدائه، أو يُمنع من تبليغ رسالة رب العالمين، إذ هي الهدف الأساس من دعوة الإسلام، ليكون {الدين كله لله}[الأنفال: ٣٩](٣)، وبذلك تلتئم الأدلة وتتفق، ويُحمل كل دليل بحسب ظرفه وسياقه (٤). والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: قوله تعالى: {لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}[البقرة: ٢٥٦]، أي:" لا يكره أحد في دين الإسلام عليه"(٥).
قال الزمخشري:" أى لم يجر اللَّه أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار"(٦).
و(الإكراه): الإرغام على الشيء (٧).
(١) الإستقامة: ٢/ ٣٢٠. (٢) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٤. (٣) قال الزرقاني رحمه الله: " أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس، ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة، ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده، وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله". [مناهل العرفان: ٢/ ٤٠٦]. (٤) نستنتج بأن الآية لا تعني إجبار الناس على الدخول في دين الله قهرا وقسرا، ولكن تعني أن الإسلام سهل بيّن لا إكراه في الدخول فيه؛ فمن دخل فيه كان من أهله، ومن لم يدخل فيه فإما أن يكون من أهل الذمة والعهد، فهذا له ذمته وعهده، وعليه دفع الجزية، وإما أن يكون من المحاربين، فهذا لا بد من محاربته وقتاله لئلا يفسد في الأرض، وينشر بها الكفر والفساد، فقوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: ٢٥٦]، لا ينافي الأمر بقتال المشركين الذين يصدون عن دين الله، ويفسدون في الأرض، وينشرون فيها الكفر والشرك والفساد؛ فقتالهم من أعظم المصالح التي بها تعمر الأرض ويعم أهلها الأمن والاستقرار. كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: ٣٩]، وقد جاءت الشريعة بتحقيق المصالح وتعطيل المفاسد. (٥) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٥. (٦) تفسير الكشاف: ١/ ٣٠٣. (٧) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٦٤. وقال الراغب: " والكره يقال على ضربين: أحدهما: أن يكون مفسراً من خارج، وذلك على أحد الأوجه الثلاثة، إما بأن يهدد بالضرب أو يضرب حتى يفعل، وإما أن تؤخذ يده فيفعل بها، فيكون في هذا كلالة، وإما أن يدعوه من يزينه في عينه. والثاني: ما يكون مفسراً من داخل، وذلك إما بخوف يستشعره، وإما بهوى يغلبه". [تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٣٠].