القول الرابع: وقيل: أن معناها "لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها"(١).
قال ابن كثير:" وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا"(٢)، "لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء"(٣).
وقد اختلف أهل التفسير في هذه الآية، هل هي منسوخة أم محكمة:
الأول: قال جماعة: أنها منسوخة، لأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أكرَه العرب على دين الإسلام، وقاتَلهم، ولم يرضَ منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قولُه - تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ}[التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}[التوبة: ١٢٣]، وقال:{سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}[الفتح: ١٦]، وقوله:{سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون}[الفتح: ١٦](٤).
وهو قول زيد بن أسلم (٥)، وعكرمة (٦)، وابن زيد (٧)، واالسدي (٨)، وسليمان بن موسى (٩)، وقد ذهب إلى هذا كثيرٌ من المفسرين (١٠)(١١).
(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨١. (٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٢. (٣) تفسير السعدي: ١/ ١١٠. (٤) قلت: إن القول بالنسخ يعارضه أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من بعض الكفار مقابل الكف عنهم، وهذا ما يُضعف القول بالنسخ، كما أن النسخ لا يصار إليه، ويقال به إلا بعد العجز عن الجمع بين الدليلين. وقد يكون معنى (الكره) هو الكره النفسي، وليس الإكراه في دخول الدين، روي عن أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "أسلم" قال: إني أجدني كارها. قال: "وإن كنت كارها"، قال ابن كثير معلقا على الحديث: " لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: "أسلم وإن كنت كارهًا فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص". [تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٣]، والحديث في: [المسند (٣/ ١٨١)، وأبو بكر الشافعي في " الرباعيات " (١/ ٩٨/ ١) والضياء في " المختارة " (١٠٠/ ١ - ٢)]. قال ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - في شرحه لصحيح البخاري: (ج ١ / ص ٢٨): "وهذا يدل على صحة الإسلام مع نفور القلب عنه وكراهته له". (٥) أخرجه الطبري (٥٨٣٣): ص ٥/ ٤١٤. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٦١٥): ص ٢/ ٤٩٤. (٧) أنظر: تفسير الطبري (٥٨٢٥): ص ٥/ ٤١٢. (٨) قال ابن أبي حاتم (٢٦١٥): ص ٢/ ٤٩٤: وري عن السدي أنها منسوخة، فأمر بالقتال، في سورة براءة". (٩) أنظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: ٢/ ٩٩. (١٠) أنظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ٣٠٠، ونسبه الشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢٧٥ إلى كثير من المفسرين، واحتمله الشنقيطي في دفع إيهام الاضطراب ص ٣٣، فقال: «وعلى كل حال، فآيات السيف نزلت بعد نزول السورة التي فيها {لاإكراه في الدين} الآية، والمتأخر أولى من المتقدم، والعلم عند الله تعالى". (١١) ومن القائلين بالنسخ: الشيخ ابن عاشور وقد ذكره في تفسيره "التحرير والتنوير"، وحاصل ما قاله في هذا الصدد: إن آية {لا إكراه في الدين} ناسخة لآيات القتال، وأن هذه الآية -وأيضًا حسب رأي ابن عاشور- نزلت بعد فتح مكة، واستخلاص بلاد العرب، فنسخت حكم القتال على قبول الإسلام، ودلت على الاقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام، وهو المعبَّر عنه بالذمة، ووضَّح هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بعد فتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا"اذهبوا فأنتم الطلقاء") السنن الكبرى: ٩/ ١١٨). وكلام ابن عاشور صريح، أو على الأقل ما يُفهم منه، أن آية {لا إكراه في الدين}، ناسخة لآيات القتال، وحاكمة عليها؛ وهذا القول فيه تسجل عليه بعض الملاحظات الآتية: أولا: أن القول بالنسخ لا يصار إليه -كما هو مقرر أصوليًّا- إلا عند عدم إمكانية الجمع بين الأدلة، والجمع هنا ممكن، وبالتالي فلا مجال للقول بالنسخ هنا. ثانيا: أن ما ذهب إليه ابن عاشور مخالف لما عليه أكثر أهل العلم، في توجيه هذه الآية، وقد عرفنا مذهب الجمهور آنفًا، وأن آية {لا إكراه} خاصة بأهل الكتاب. ثالثا: ثم إنا نقول: إن المتتبع لسيرة النبي عليه الصلاة والسلام وهديه، يجد أن سيرته على خلاف ما قرره ابن عاشور، بخصوص تشريع آيات الجهاد؛ وذلك أن مجاهدة الكافرين كانت ثابتة في سيرته صلى الله عليه وسلم، إلى حين وفاته عليه الصلاة والسلام، يرشد لهذا أمره بتجهيز جيش أسامة لقتال الروم قبل وفاته بمدة قصيرة. رابعا: على أن من المعلوم من تاريخ نزول الآيات، أن سورة براءة -وفيها آيات الجهاد- هي من أواخر ما نزل من القرآن، فإذا كان لا بد من القول بالنسخ، فالأصوب أن يقال: إن آيات الجهاد -الواردة في سورة براءة- هي الناسخة لآية البقرة وليس العكس، وهذا مذهب بعض أهل العلم. .