الله الذي لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، الحيُّ الذي له جميع معاني الحياة الكاملة كما يليق بجلاله، القائم على كل شيء، لا تأخذه سِنَة أي: نعاس، ولا نوم، كل ما في السماوات وما في الأرض ملك له، ولا يتجاسر أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه، محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، يعلم ما بين أيدي الخلائق من الأمور المستقبلة، وما خلفهم من الأمور الماضية، ولا يَطَّلعُ أحد من الخلق على شيء من علمه إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه. وسع كرسيه السماوات والأرض، والكرسي: هو موضع قدمي الرب -جل جلاله- ولا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه، ولا يثقله سبحانه حفظهما، وهو العلي بذاته وصفاته على جميع مخلوقاته، الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء. وهذه الآية أعظم آية في القرآن، وتسمى: آية الكرسي.
وهذه الآية أعظم آية في كتاب الله" وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات"(١)، كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبيّ بن كعب، وقال:«أي آية أعظم في كتاب الله؟ قال: آية الكرسي؛ فضرب على صدره، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر»(٢)؛ ولهذا من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح؛ وهي مشتملة على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جداً (٣)، وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لكل شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية سيد آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه "(٤).
(١) تفسير السعدي: ١/ ١١١. (٢) أخرجه مسلم ص ٨٠٥، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ٤٤: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، حديث رقم ١٨٨٥ [٢٥٨] ٨١٠. وردت عدة أحاديث صحيحة تدل على أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم منها: ما رواه سعيد بن منصور في سننه: ٣/ ٩٥٣، والطبراني في المعجم الكبير: ٩/ ١٤٢ - ١٤٣ رقم: ٨٦٥٩، والبيهقي في شعب الإيمان: ٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩ رقم: ٢١٧٣: "عن شُتَير بن شَكَل قال حدثنا عبد الله أن أعظم آية في كتاب الله-عز وجل-: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ... } إلى آخر الآية، فقال مسروق: صدقت". واللفظ لسعيد، وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٣٢٣ وقال: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح". (٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٥٠. (٤) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٥١) وعزاه للمصنف والترمذي ومحمد بن نصر وابن المنذر والحاكم والبيهقي في "شعب الإيمان". وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧ رقم ٦٠١٩). والحميدي في "مسنده" (٢/ ٤٣٧ رقم ٩٩٤). كلاهما عن سفيان، به، ولفظ عبد الرزاق نحوه، ولفظ الحميدي مثله، إلا أنه زاد في آخره: "آية الكرسي"، وهذه الزيادة عند عبد الرزاق أيضا. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٦٠ - ٥٦١) و (٢/ ٢٥٩) من طريق الحميدي. ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ٣٢٧ رقم ٢١٧١). وأخرجه محمد بن نصر في "قيام الليل" (ص ١٥١ / المختصر) من طريق محمود ابن غيلان، عن سفيان، به نحوه. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٣٧) من طريق إبراهيم بن بشار، عن سفيان به مثله، وزاد في آخره: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم". وأخرجه الترمذي في "سننه" (٨/ ١٨١ رقم ٣٠٣٨) في فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة البقرة وآية الكرسي. والحاكم في الموضعين السابقين من "المستدرك"، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (٥/ ٣١٣ رقم ٢١٥٨)، كلاهما من طريق زائدة بن قدامة، عن حكيم، به بلفظ: "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة"، زاد الترمذي: "وفيها آية هي سيدة أي القرآن: آية الكرسي". قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والشيخان لم يخرجا عن حكيم بن جبير لوهن في رواياته، إنما تركاه لغلوه في التشيع"، ووافقه الذهبي، وتعقبهما الألباني؛ حيث ذكر الحديث في "السلسلة الضعيفة" (٣/ ٥٢٤ - ٥٢٥ رقم ١٣٤٨) وحكم عليه بالضعف، ثم ذكر كلام الحاكم، ثم تعقبه بقوله: "ليس كما قال، وإن وافقه الذهبي في تلخيصه؛ فإن أقوال الأئمة فيه إنما تدل على أنهم تركوه لسوء حفظه وليس لفساد مذهبه ... "، ثم ذكر بعض أقوال الأئمة فيه. وهناك ما يشهد لمعناه، عدا قوله: "إن لكل شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة": فمن ذلك ما أخرجه مسلم في "صحيحه" (١/ ٥٦ رقم ٢٥٨) في صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت: الله لا إله إلا الله هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري، وقال: "والله ليهنك العلم أبا المنذر". وأخرج مسلم أيضا في "صحيحه" (١/ ٥٣٩ رقم ٢١٢) في صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة". وأخرج البخاري في "صحيحه" (٩/ ٥٥ رقم ٥٠١٠) في فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة، من حديث أبي هريرة في قصته مع الشيطان الذي كان يسرق من الزكاة التي وكله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها، وفيه يقول الشيطان: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لم يزل معك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان"