للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما السمين الحلبي: " والخلة: الصداقة، كأنها تتخلل الأعضاء، أي: تدخل خلالها، أي وسطها" (١).

قلت: ولا ضير من الآراء السابقة، إذ أن المؤدى واحد، وإن كان الأدق تعبير الراغب ومن وافقه، لأن (الخلة) هي المحبة التي تخلَلَت القلب فصارت خلاله، أي: في باطنه، والمراد بها في الآية أن لا صداقة ولا مودة ولا محبة نافعة عند الله-عز وجل-إلا ما كانت له تعالى كما قال-عز وجل-: {الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: ٦٧]، والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: ٢٥٤]، أي: " ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له" (٢).

قال الصابوني: " ولا شفيعاً يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إِلا أن يأذن الله ربّ العالمين" (٣).

قال ابن كثير: " أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين" (٤).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ} [البقرة/ ٢٥٤]، وفيه وجهان (٥):

الأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ} بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وفي سورة إبراهيم: {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} [الآية: ٣١] مثله أيضاً، وفي الطور: {لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ} [الآية: ٢٣] مثله.

الثاني: وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: كلّ ذلك بالرّفع والتنوين (٦).

قال الشوكاني: "وهما لغتان مشهورتان للعرب ووجهان معروفان عند النحاة، فمن الأول: قول حسان (٧):

ألا طعان ألا فرسان عادية ... ألا يحشئوكم حول التنانير

ومن الثاني: قول الراعي (٨):

وما صرمتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل

ويجوز في غير القرآن التغاير برفع البعض ونصب البعض كما هو مقرر في علم الإعراب" (٩).

قوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: ٢٥٤]، " أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا" (١٠).


(١) الدر المصون: ٢/ ٥٣٨.
(٢) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٥.
(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧١.
(٥) انظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٦) السبعة: ١٨٧.
(٧) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص ١٧٩ "الحاشية"؛ وتخليص الشواهد ص ٤١٤؛ والجنى الداني ص ٣٨٤؛ وخزانة الأدب ٤/ ٦٩، ٧٧، ٧٩؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٢١٠؛ والكتاب ٢/ ٣٠٦؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٣٦٢؛ واللفظ في تلك المصادر: [فما هجرتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل]، ولخداش بن زهير في شرح أبيات سيبويه ١/ ٥٥٨؛ ولحسان أو لخداش في الدرر ٢/ ٢٣٠؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص ٨٠؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٣١٨؛ وهمع الهوامع ١/ ١٤٧.
اللغة: الطعان: الضرب بالرمح. الفرسان العادية: المقاتلون الظالمون، أو كثيروا العدو وسريعوه. التجشؤ: معروف، صوت يصدر عن امتلاء المعدة. التنانير: جمع تنور وهو الموقد الذي كانوا يخبزون فيه.
(٨) البيت للراعي النميري في ديوانه ص ١٩٨؛ وتخليص الشواهد ص ٤٠٥؛ وشرح التصريح ١/ ٢٤١؛ وشرح المفصل ٢/ ١١١، ١١٣؛ والكتاب ٢/ ٢٩٥؛ ولسان العرب ١٥/ ٢٥٤ "لقا"؛ ومجالس ثعلب ص ٣٥؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٣٣٦؛ واللمع ص ١٢٨. شرح المفردات: صرمتك: أي قطعت حبل ودك، ويروى "هجرتك".
(٩) فتح القدير: ١/ ٢٧٠.
(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧١.

<<  <  ج: ص:  >  >>