قوله تعالى: {وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} [البقرة: ٢٤٨]، أي: قال لهم نبيهم: إن" علامة ملكه" (١).
قال ابن كثير: " يقول نبيهم لهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم" (٢).
قال الصابوني: "أي علامة ملكه واصطفائه عليكم" (٣).
قوله تعالى: {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} [البقرة: ٢٤٨]، أي "يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة" (٤).
عن ابن إسحاق: " {أن يأتيكم التابوت فيه} قال: فيرد عليكم" (٥).
قال الزمخشري: "التَّابُوتُ: صندوق التوراة. وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدّمه فكانت تسكن نفوس بنى إسرائيل ولا يفرّون" (٦).
قال: وهب بن منبه عن صفة تابوت موسى: "كان نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين" (٧).
قوله تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: ٢٤٨]، أي " أي في التابوت السكون والطمأنينة والوقار" (٨).
قال ابن كثير: " قيل: معناه فيه وقار، وجلالة" (٩).
قال القرطبي: " أي هو سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت؛ ونظيره {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْه} [التوبة: ٤٠] أي أنزل عليه ما سكن به قلبه" (١٠).
قال الزمخشري: "والسكينة: السكون والطمأنينة، وقيل: هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهرّ وذنب كذنبه وجناحان، فتئن فيزف التابوت نحو العدوّ وهم يمضون معه، فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وقيل: أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إذا كان معهم في الحرب" (١١).
قال القاسمي: "أي: وقار وجلال وهيبة. أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل يتقوون به على الحرب" (١٢).
وذكر أهل العلم في معنى الـ {سَكِينَةٌ} أقوال (١٣):
أحدها: ريح هفَافة لها وجه كوجه الإِنسان، وهذا قول عليّ عليه السلام (١٤).
والثاني: أنها طست من ذهبٍ من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وهذا قول ابن عباس (١٥) والسدي (١٦)، ورجّحه الحافظ ابن حجر قائلا: " وأما التي (١٧) في قوله تعالى: (فِيهِ سَكينَة مِّن رَّبِّكُم) فيحتمل قول السدي وأبي مالك" (١٨) (١٩).
والثالث: وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهر وجناحان. قاله مجاهد (٢٠) (٢١) وابن عباس في أحد قوليه (٢٢) وأبن مالك (٢٣) نحوه في احدلى الروايات.
والرابع: وقيل: بل هي رأس هرة ميتة. قاله وهب بن منبه (٢٤).
الخامس: أنها روح من الله تعالى يتكلم، وهذا قول وهب بن منبه (٢٥).
والسادس: أنها ما يعرف من الآيات فيسكنون إليها، وهذا قول عطاء بن أبي رباح (٢٦)، والحسن (٢٧).
والسابع: أنها الرحمة، وهو قول الربيع ابن أنس (٢٨)، وابن عباس (٢٩).
والثامن: أنها الوقار، وهو قول قتادة (٣٠).
والتاسع: أنها عصى موسى، قاله عكرمة (٣١).
والراجح-والله أعلم- هو تفسير (السكينة) بطمأنينة القلب وسكينته؛ إذ أن إتيان التابوت تحمله الملائكة إليهم وفيه بقية مما ترك آل موسى وال هارون فيه طمأنينة لقلوبهم وسكينة لنفوسهم، والله أعلم (٣٢)، وهو ما قاله عطاء بن أبي رباح بأن السكينة: من الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها، وهو اختيار الطبري، إذ يقول: "وذلك أن (السكينة) في كلام العرب (الفعيلة)، من قول القائل: سكن فلان إلى كذا وكذا،
(١) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٠.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.
(٤) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٠.
(٥) أخرجه ابن ابي حاتم في تفسيره (٢٤٧١): ص ٢/ ٤٦٨.
(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٣.
(٧) أخرجه الطبري (٥٦٦٤) "ص ٥/ ٣٢٥.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٤٢.
(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٦.
(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(١١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٩٣.
(١٢) محاسن التأويل: ٢/ ١٨٠.
(١٣) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣١٦.
(١٤) أخرجه الطبري (٥٦٦٥): ص ٥/ ٣٢٦.
(١٥) اخرجه الطبري (٥٦٧٨): ص ٥/ ٣٢٨.
(١٦) أخرجه الطبري (٥٦٧٩): ص ٥/ ٣٢٨.
(١٧) أي: السكينة.
(١٨) هو: أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي، تابعي ثقة، مشهور بكنيته، توفي بعد المائة. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٧/ ٥٥، تهذيب التهذيب لابن حجر: ٨/ ٢٤٥، تقريب التهذيب له أيضاً: ٧٧٦.
(١٩) الفتح: ٨/ ٦٧٥، يرى الحافظ أن لفظ السكينة مقولة بالاشتراك على المعاني التي ذكرها في الفتح: ٨/ ٦٧٥؛ فيحمل كل موضع وردت فيه على ما يليق به، والذي يليق بهذه الآية يحتمل أن يكون قول السدي وأبي مالك، بأن السكينة: طست من ذهب من الجنة يغسل فيها قلوب الأنبياء، وقال أبو مالك: هي التي ألقى فيها موسى الألواح والتوارة والعصا، انظر: الفتح: ٨/ ٦٧٥. وقول السدي انظره في: تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٩٢١، جامع البيان للطبري: ٥/ ٣٢٨، سنن سعيد بن منصور-تحقيق: الحميد-: ٣/ ٩٤٢ رقم: ٤٢٠، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٣١٦. وأما قول أبي مالك فانظره في معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٥١، وعمدة القاري للعيني: ٢٠/ ٣١ إذ قال: (طست من ذهب ألقى فيها موسى-عليه السلام-الألواح والتوراة والعصا). وهو عند ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٩٢١ رقم: ٢٧١٩ لكنه اقتصر على ذكر الألواح فقط.
ولا يخفى على أهل العلم بأن ما جعله الحافظ محتملاً في تأويل الآية يحتاج إلى نص نبوي صحيح، ولا يصح الاعتماد فيه على قول السدي وأبي مالك اللذين تلقفاه فيما يبدو عن مسلمي أهل الكتاب ككعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما.
(٢٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٧٥): ص ٢/ ٤٦٩. وانظر: تفسير مجاهد: ١/ ١١٤.
(٢١) وأخرجه الطبري (٥٦٧٢): ص: ٥/ ٣٢٧: .
(٢٢) قال ابن أبي حاتم (٢٤٧٥): ص ٢/ ٤٦٨.
(٢٣) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٤٦٩.
(٢٤) أخرجه الطبري (٥٦٧٧): ص ٥/ ٣٢٨.
(٢٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٥٦٨٠): ٥/ ٣٢٩.
(٢٦) أخرج ابن ابي حاتم (٢٤٨٠): ص ٢/ ٤٦٩. وأخرجه الطبري في تفسيره (٥٦٨٢): ٥/ ٣٢٩.
(٢٧) أخرج ابن أبي حاتم (٢٤٨٠): ص ٢/ ٤٦٩.
(٢٨) انظر: تفسير ابن ابي حاتم: ٢/ ٤٧٠. وأخرجه الطبري في تفسيره (٥٦٨٣): ص ٥/ ٣٢٩.
(٢٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٨١): ص ٢/ ٤٦٩.
(٣٠) أخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٨٢): ص ٢/ ٤٧٠. وأخرجه الطبري (٥٦٨٤): ص: ٥/ ٣٢٩.
(٣١) اخرجه ابن ابي حاتم (٢٤٨٣): ص ٢/ ٤٧٠.
(٣٢) أنظر معنى السكينة في اللغة في: معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٣٢٩، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٢٥٩، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ٢٠٥٣، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ٣/ ٨٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٩٣ و ٣٩٧، فتح البيان لصديق خان: ٢/ ٧٣، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ٣٠٥، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير لأبي شهبة: ١٧٠ - ١٧١، تعليق محققي معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٩٩.