للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٩ - ومنها: أن الإنسان بفطرته يكون مستعداً لقتال من قاتله؛ لقولهم: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا}؛ ولهذا تجد الجبان إذا حُصر يأتي بما عنده من الشجاعة، ويكون عنده قوة للمدافعة.

١٠ - ومنها: أن من مبيحات القتال إخراج الإنسان من بلده، وأهله ليرفع ظلم الظالمين؛ لقولهم: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا}؛ لكن لو كان إخراجهم بحق - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بني النضير (١) - فلا حق لهم في المقاتلة، أو المطالبة - ولو أسلموا -؛ لأن الله أورث المسلمين أرضهم، وديارهم، وأموالهم؛ والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين؛ قال الله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: ١٠٥].

١١ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان قد يظن أنه يستطيع الصبر على ترك المحظور، أو القيام بالمأمور؛ فإذا ابتُلي نكص؛ لقوله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم} مع أنهم كانوا في الأول متشجعين على القتال.

١٢ - ومنها: الإشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» (٢)، وقوله (ص): «من سمع بالدجال فلينأ عنه؛ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات» (٣)؛ ويشبه هذا أن بعض الناس ينذرون النذر وهم يظنون أنهم يوفون به؛ ثم لا يوفون به، كما في قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين*فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} [التوبة: ٧، ٧٦].

١٣ - ومن فوائد الآية: أن البلاء موكل بالمنطق؛ لأنه قال لهم: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا}؛ فكان ما توقعه نبيهم واقعاً؛ فإنهم لما كتب عليهم القتال تولوا.

١٤ - ومنها: أن بعض السؤال يكون نكبة على السائل، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: ١٠١].

١٥ - ومنها: وجوب القتال دفاعاً عن النفس؛ لأنهم لما قالوا: {وقد أخرجنا} قال تعالى: {فلما كتب عليهم القتال} أي فرض عليهم؛ ليدافعوا عن أنفسهم، ويحرروا بلادهم من عدوهم؛ وكذلك أبناءهم من السبي.

١٦ - ومنها: تحذير الظالم من الظلم - أيَّ ظلم كان -؛ لقوله تعالى: {والله عليم بالظالمين}؛ فإن هذه الجملة تفيد الوعيد والتهديد للظالم.

١٧ - ومنها: تحريم الظلم لوقوع التهديد عليه.

١٨ - ومنها: أن ترك الواجب من الظلم؛ لقوله تعالى: {تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين} أي المتولين الذين فرض عليهم القتال، ولم يقوموا به؛ فدل ذلك على أن الظلم ينقسم إلى قسمين: إما فعل محرم؛ وإما ترك واجب.

القرآن


(١) راجع البخاري ص ٣٢٩، كتاب المغازي، باب ١٤: حديث بني النضير ... ، حديث رقم ٤٠٢٨؛ ومسلماً ص ٩٩١، كتاب الجهاد والسير، باب ٢٠: إجلاء اليهو من الحجاز، حديث رقم ٤٥٩٢ [٦٢] ١٧٦٦.
(٢) أخرجه البخاري ص ٢٣٨، كتاب الجهاد والسير، باب ١١٢: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أو ل النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، حديث رقم ٢٩٦٦، وأخرجه مسلم ص ٩٨٦، كتاب الجهاد والسير، باب ٦: كراهة تمني لقاء العدو ... ، حديث رقم ٤٥٤٢ [٢٠] ١٧٤٢.
(٣) أخرجه أحمد ج ٤/ ٤٣١، حديث رقم ٢٠١١٦، وأخرجه أبو داود ص ١٥٣٧، كتاب الملاحم، باب ١٤: خروج الدجال، حديث رقم ٤٣١٩، واللفظ لأحمد، وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح ٣/ ٣٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>