للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تقول: أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ {من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم} [الأعراف: ١٨٦]، بجزم {نذرهم} لما كان معنى قوله {فلا هادي له} [الأعراف: ١٨٦]، فلا يهد وهذه الأضعاف الكثيرة هي إلى السبعمائة التي رويت ويعطيها مثال السنبلة (١).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} [البقرة: ٢٤٤]، " أي يقتّر على من يشاء ويوسّع على من يشاء ابتلاءً وامتحاناً" (٢).

قال السعدي: " أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا" (٣).

قال ابن كثير: " أي: أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرزاق يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك" (٤).

قال النسفي: " يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة" (٥).

قال الطبري: " أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربا دونه يعبدونه" (٦).

قال الحافظ ابن حجر: " البسط: كناية عن سعة رحمته" (٧).

واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} [البقرة: ٢٤٤]، وذكروا فيه وجهان (٨):


(١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.
(٣) تفسير السعدي: ١/ ١٠٦.
(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٦٤.
(٥) تفسير النسفي: ١/ ١٣٠.
(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٨.
(٧) الهدي: ٩٢، ومعنى (يَبْصُطُ) في الآية يوسع، والبسط في اللغة: السعة، انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: ١/ ٢٤٧، لسان العرب لابن منظور: ١/ ٢٨٢، معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٤٨، معاني القرآن للزجاج: ١/ ٣٢٥، جامع البيان للطبري: ٥/ ٢٨٩، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٢٩٥، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ١٢٨، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٧٢، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٣٨٩، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ٢٠١، وغيرها. والبسط والسعة نوع من الرحمة لا كناية عنها إذ للبسط معنى معلوم في اللغة، ومعنى الفعل في حق الله-عز وجل-جلي يعرفه كل من قرأ النص من العالمين بلغة العرب، انظر: كتاب التوحيد لابن منده: ٢/ ٩٣، التدمرية لابن تيمية: ٢٩ - ٣٠، صفات الله-عز وجل-للسقاف: ٦٥ - ٦٧.
(٨) النكت والعيون: ١/ ٣١٣. القبض لغةً من مصدر: قبضه يقبضه قبضًا، وهو خلاف البسط، وفي أسماء الله تعالى: "القابض" أي هو الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد وبلطفه وحكمته، ويقبض الأرواح عند الممات، ويقال: قبض المريض إذا توفي، وإذا أشرف على الموت، والقبض بمعنى الأخذ فيقال: قبضت مالي قبضًا، أي أخذته، وقال ابن منظور: وأصله في جناح الطائر، قال الله تعالى {وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} [سورة الملك: الآية ١٩]. [انظر: القاموس المحيط، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، ولسان العرب: مادة "قبض].
والقُبْضة بالضم: ما قبضت عليه من شيء، يقال: أعطاه قُبضة من سويق أو تمر، أي كفًّا منه، وربما جاء بالفتح، ثم نقل عن الليث أن القبضة: ما أخذته بجمع كفك كله، فإذا كان بأصابعك فهي القبصة بالصاد، وقال ابن الأعرابي: القبض قبولك المتاع وإن لم تحوله، ثم قال ابن منظور: والقبض تحويلك المتاع إلى حيزك، والقبض: التناول للشيء بيدك ملامسة ... ، وصار الشيء في قبضي وقبضتي أي في ملكي. [لسان العرب: ص ٣٥١٣. ونحن حقًّا لسنا مع التأويل في مثل هذه الآيات، وإنما نثبت لله تعالى ما أثبته لذاته العلية مع التنزيه، وعدم التشبيه].
ذا كان القبض في اللغة هو أخذ أي شيء، أو التمكن منه فإنه في الاصطلاح الفقهي أخص منه حيث هو مخصص بالمعقود عليه، لكنه ثار الخلاف بين الفقهاء في تحديد مفهومه تبعًا لوجهات نظرهم المختلفة في كيفية تمام القبض. ثم إن أكثر الفقهاء لم يريدوا أن يضعوا تعريفًا جامعًا لجميع أقسام القبض، وإنما بينوه من خلال أنواعه، كما أنهم أرجعوا أمره كقاعدة أساسية إلى العرف، ولذلك ننقل نصوص الفقهاء بشيء من الإِيجاز للوصول إلى حقيقة القبض.
فعند الحنفية – كما يقول الكاساني -: "التسليم والقبض عندنا هو التخلية، والتخلي، وهو أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مسلمًا للمبيع، والمشتري قابضًا له، وكذا تسليم الثمن من المشتري إلى البائع"، وذكر ابن عابدين أن من شروط التخلية التمكن من القبض بلا حائل، ولا مانع، ولكن صاحب "الأجناس" اشترط شرطًا ثالثًا، وهو أن يقول "خليت بينك وبين المبيع". [بدائع الصنائع، ط. الإِمام بالقاهرة: ٧/ ٣٢٤٨، ورد المحتار على الدر المختار، ط. دار إحياء التراث العربي: ٤/ ٤٢، والفتاوى الهندية، ط. دار إحياء التراث العربي: ٣/ ١٥].

<<  <  ج: ص:  >  >>