للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الطبري: أي: " وقاتلوا أيها المؤمنون في دينية الذي هداكم، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم، الصادين عن سبيل ربكم، ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم، ولا تجبنوا عن حربهم، فإن بيدي حياتكم وموتكم. ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت وخوف المنية على نفسه بقتالهم، فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم والفرار منهم، فتذلوا، ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه، كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، الذين قصصت عليكم قصتهم، فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري، وحل بهم قضائي، ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه، إذ دافعت عنهم مناياهم، وصرفتها عن حوبائهم، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني، فإن من حيي منكم فأنا أحييه، ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله" (١).

قال المراغي: " لقتال في سبيل الله هو القتال لإعلاء كلمة الحق، وتأمين الدعوة، ونشر الدين، حتى لا يغلب أهله، ولا يصدهم صادّ عن إقامة شعائره، وتلقين أوامره، والدفاع عن بلاد الإسلام إذا همّ الطامع في اغتصابها والتمتع بخيراتها، وإرادة إذلالها، والعدوان على استقلالها، فهذا أمر لنا بأن نتحلّى بالشجاعة، ونلبس سرابيل القوة، ليخشى العدو بأسنا، ويرهب جانبنا، ونكون أعزاء ونحيا حياة سعيدة في دنيانا وأخرانا" (٢).

قال القاسمي: " وأصل السبيل هو الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى، ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالقتال دفاع في سبيل الله لإزالة الضرر العام. وهو منع الحق وتأييد الشرك. وذلك بتربية الذين يفتنون الناس عن دينهم وينكثون عهودهم لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب" (٣).

قال الراغب: " وأقرب الأعداء إلى الإنسان وأصعبها دفاعاً وأكثرهم أذى الهوى المدلول عليه بقوله: " جهادك هواك" (٤)، وقوله: "أعدي عدوك نفسك التي بين جنبيك" (٥)، وقوله لما رجعوا من تبوك: " جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (٦) ... وصعوبة مجاهدته أنه عدو يخفي وتخفى مكائده، ونحو هذا نظر الشاعر حيث قال (٧):

رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برامي

وعلى هذا قوله عز وجل: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، وقوله {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} " (٨).

واختلف أهل التفسير في من عنى الله تعالى بهذا الخطاب، على قولين (٩):

الأول: قال الجمهور: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله.

قال القرطبي: "وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل؛ قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: ١٠٨]. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا" (١٠).

وعلى هذا القول فإن (الواو) في قوله {وَقَاتِلُوا}، عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام، قال النحاس: " {وَقَاتِلُوا}، أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء" (١١)، وقوله {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به (١٢).

القول الثاني: وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل. قاله الضحاك (١٣).

و(الواو) على هذا في قوله {وَقَاتِلُوا} عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم قاتلوا (١٤).

قال الطبري: "ولا وجه لقول من زعم أن قوله: {وقاتلوا في سبيل الله}، أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال، بعد ما أحياهم" (١٥).

والظاهر-والله أعلم- هو القول الأول، بأن هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا. وبه قال أكثر أهل التفسير.

قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢٤٤]، " واعلموا أنّ الله سميع لأقوالكم، عليم بنيّاتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها" (١٦).

قال محمد بن إسحاق: "أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون" (١٧).


(١) تفسير الطبري: ٥/ ٢٨٠.
(٢) تفسير المراغي: ١/ ٤٥٥.
(٣) محاسن التأويل: ٢/ ١٧٥.
(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ إلا عند الراغب في تفسيره: ١/ ٥٠٢، وفي الذريعة إلى مكارم الشريعة: ١٠٣، وقد روي ذلك عن الحسن البصري، انظر: ذم الهوى لابن الجوزي حديث رقم (٢٨).
(٥) رواه البيهقي في الزهد باسناد ضعيف وله شاهد من حديث أنس .. والمشهور على الالسنة: اعدى عدوك .. إهـ (كشف الخفاء ١/ ١٤٣) قال العراقي في تخريج الاحياء (كتاب عجائب القلب): اخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان احد الوضاعين. إهـ وقال الزبيدي في شرح الاحياء ٧/ ٢٠٦ تعقيباً على العراقي: ووجدتُ بخط ابن حجر ما نصّه: وللحديث طرق اخرى غير هذه من حديث أنس.
(٦) ورد بلفظ" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر "، قال الألباني في " السلسلة الضعيفة والموضوعة " (٥/ ٤٧٨)، منكر، رواه البيهقي بسند ضعيف في الزهد الكبير (٣٧٤): ص ١٩٨، قاله الحافظ العراقي في تحقيق أحاديث الإحياء، نقله عنه العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٥١١)، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: هو كلام إبراهيم بن أبي عبلة وليس بحديث، نقله أيضا العجلوني عن الحافظ في الكشف، وهذا ملخص ما ذكره العجلوني، وفي رواية البيهقي: (قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب)، ورواه الخطيب البغدادي بلفظ: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه)، وقد روياه جميعا عن جابر، كذا في كشف الخفاء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الفتاوى" (١١/ ١٩٧): أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في عزوة تبوك: (رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر، فلا أصل له)، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله" انتهى."مجموع فتاوى ابن باز" (٢٦/ ٣٨١).
(٧) البيت لعمرو بن قميئة، انظر: ديوانه: ٤٦، وغريب أبي عبيد: ٢/ ١٤٦، وتفسير الراغب: ١/ ٥٠٢.
وبنات الدهر: أحداثه، خطوبه ومصائبه. ليس برام: ليس من شأنه أن يرمي، عاجز عن الرماية.
(٨) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٥٠١ - ٥٠٢.
(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.
(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.
(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.
(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.
(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤٢٦): ص ٢/ ٤٥٩.
(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٦.
(١٥) انظر: تفسيره: ٥/ ٢٨١ - ٢٨٢. وعلّل قائلا: "لأن قوله: {وقاتلوا في سبيل الله}، لا يخلو - إن كان الأمر على ما تأولوه - من أحد أمور ثلاثة:
١ - إما أن يكون عطفا على قوله: " فقال لهم الله موتوا "، وذلك من المحال أن يميتهم، ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله.
٢ - أو يكون عطفا على قوله: " ثم أحياهم "، وذلك أيضا مما لا معنى له. لأن قوله: " وقاتلوا في سبيل الله "، أمر من الله بالقتال، وقوله: " ثم أحياهم "، خبر عن فعل قد مضى. وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض، لو كانا جميعا خبرين، لاختلاف معنييهما. فكيف عطف الأمر على خبر ماض؟
٣ - أو يكون معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله، ثم أسقط " القول "، كما قال تعالى ذكره: {إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} [سورة السجدة: ١٢]، بمعنى يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا. وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر. فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها". [تفسير الطبري: ٥/ ٢٨١ - ٢٨٢].
(١٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١.
(١٧) تفسير ابن ابي حاتم (٢٤٢٨): ص ٢/ ٤٦ - . عن محمد بن العباس، ثنا محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة ثنا محمد بن إسحاق.

<<  <  ج: ص:  >  >>